العدد العاشر - ربيع 2010م

   
 

نصوص
 

مقام النوى (لقراءة المقال بصيغة أكروبات)

                                                        محمد جبر الحربي
                                                     
شاعر من السعودية

(إلى طاهر حسين)
يمني حجازي، حافظ للتراث، مبدع في فنونه

 

"لله ما يحويه هذا المقام

تجمّعت فيه النفائسْ

حبيب حاز اللطف والانسجام

حالي الشمائل ظبي آنسْ

إخوان مالوا عن طباع اللئام

وزينوا تلك المجالسْ

والشمس غطت وجهها بالغمام

كتغطية وجه العرائسْ

أزكى الصلاة تغشى النبي والسلام

ما كرّر القرآن دارسْ"(1).

 

                     * * *

يا يمن

أنتِ أنجبتني مثل كلّ القبائل

ثم ارتضيتُ الرحيل الذي ضامني

أنتِ قلتِ ارتحل

فارتضيت بحكمك

والحكمة اليمنية

فالمزن: قلبي، وقلبكِ

ثمّ اتخذتُ من الركن حصناً

شاغلتُ روحيَ بالأمنيات

القديمةُ منها الجديد

الجديدة منها التليدُ

انهمار المروج على خاطري

أنتِ قلتِ ابتعدْ

ثم قلتِ اتئدْ

قدتني نحو ناي وعودٍ

ونوحٍ لقمريةٍ

فهاجرت مثل الطيور، اختبرتُ الصبا والنوى

وغنّيتُ مثل الحمامْ:

«غنى على نايف البواسقْ

مطوّقٌ في دجى الظلامْ

وقال نوم العيون طالقْ

النوْم على من» فهم «حرامْ»(2).

 

أنا الآن ماذا سأفعل يا أمّ

والشوق يغلبني

كنت مكةَ

صرتُ المدينةَ

عاندت طول السنين

وعرض المسافات

والسرّ أنك أبقى

الطريق وصوتي وأنت تغني زبيباً ونبقا:

قسماً بعزّة خالقٍ

وسناءِ روحٍ سوف نبقى

فلنا المياه، جبالها، بلْ نحن أنقى

وبصفو زهوٍ من سحابٍ صار وَدقا

حملت به أبياتنا وطناً بطول النخل عِذقا

وعلى تسارعها الحضارة نحن أرقى

علمت مغاربها بأنّا أصدق العشاق عشقا

شربوا على كَدَرٍ، شربنا غيمها

والعاشق الولهان يُسْقى

سلمت برامجنا من الأوخاز حقّا

لعذوبةٍ أولى تزيد القلب دفقا

ورفاق دربٍ غُرّبوا

فغدوا أرقّ الناس رفقا.

* * *

              

يا يمن

يا أحاديث من غربةٍ في الممر

الطيور تحدثني والشجر

والأغاني، وعزف المطر:

«مطرْ.. مطرْ والظبى بينه

تدوّر مكنّهْ

يا ريت وانا سقيفْ

يا ريت أنا خدر بدْوي

كلهنْ يدخلنّه

لو ما يمر أم خريفْ

يا ريت أنا كوز بارد

وحدهن يشربنّه

على شوية صعيفْ»(3).

* * *

              

يا يمن

أيا أم معدٍ وباسلَ، أم يزَن.

لم يكن عنديَ الشك يغلِبُ

والله يغلِبُ

والغالبات بيغلب

أنّ انتماءً لقحطان لي

ربما كان عندي التعدنن يغلب

والله أغلبُ

أنا جئت من حربَ

من جيرة المصطفى

من مهابط وحيٍ

أنا ما سلوت بدرب قصيٍّ

ولا قيل لي

ولا يوم مرّ بيَ الشكُّ

أنّ لديك انتماءً وأهلاً

فلا تظلمي في الغياب غياباً

فكم من غيابٍ

وكم من مآبٍ

وكم من قمرْ:

* * *

              

«يا ثورنا طال عمرك

طول الهلال اليماني

في آخر الشهر شيبة

وغدوة ولدْ يوم ثاني».

 

ولا تظلمي وحشتي والسفر

فأنا مثل ما ناح يوماً عليٌّ(4)

أغني:

«عزّ القبيلي بلاده

ولوْ تجرّعْ  وباها

يشد منها بلا ريش

ولا اكتسى ريش جاها».

 

أنا مالكٌ

وابن ريبٍ أنا

تقطعت الأرض بي

واحتواني الكفن

ولكنني في الحياة مقيمٌ

ولا موتَ يفزعني، لا الفتنْ.

* * *

              

يا يمن

أنا ابنٌ لحسنك يا مهجتي

أنا ابنٌ لكلّ القبائل

يا من على الظلم كم تشتمون القبائل

والثابتون يغنّي المواقفَ منهم شجرْ

ونبض حجرْ: يخلّده الماء أنّى انفجرْ.

بأنّا على وعدنا

عهدنا

نستعيد الزمنْ.

* * *

          

يا يمن

بربك من في الفؤاد سكنْ

أنا

أم سواي

سواي الغريبُ، وأنتِ الوطنْ.

 ----------------

(1) منتخب من قصيدة لله ما يحويه هذا المقام للقاضي عبد الرحمن بن يحي الآنسي (1250هـ).

(2) هي: على من عشق، بتصرف نقلاً عن الفنان طاهر حسين، وهي لشاعر مجهول في الأغلب.

 (3)الشاعر حسن عبدالله الشرفي.

 (4) علي ولد زايد شاعر الحكمة اليمنية.