العدد التاسع - شتاء 2009م

   
 

دراسات

مدارج النصوص ومعنى الفصوص (لقراءة المقال بصيغة أكروبات)

د. عمر عبد العزيز
كاتب وناقد من اليمن

فيما يلي تطواف حول جملة من الموضوعات المنفصلة المتصلة، في تأكيد على واحدية الجوهر وتعددية التعبير والتنزلات، والمقصود هنا تعميم لطائف المعاني المقرونة بالفصوص والنصوص. وسنبدأ باللغة، ويليها التجريب، ثم تلمسات المعاني في دروب الفكر.

لأن الصوت يصدر عن الجسم البشري، ويتّصل بالهندسة البنائية الدقيقة لهذا الجسم؛ فالتركيبة التشريحية للجسد الآدمي هي المقدمة الأساسية للقابليات الصوتية الصادرة عن الإنسان. وبهذا المعنى فإن متوالية «الجسد/ الصوت/ الحرف» تبدو في حالة تناص جبري مداه الحقيقة السرمدية القاضية بأن تكون الظواهر المرئية والمسموعة مُدوْزنة بموسيقى الوجود الكُلي النابعة من الحق.

هكذا يكون الحرف حمّال أبعاد جسمانية وصوتية. وكلا البُعدين، الجسماني والصوتي، يتماهى مع الطبيعة حد المُضاهاة المعنوية والدلالية؛ فما من صائت إلا وقد كان قلّد صوتاً صادراً من الطبيعة؛ وما من قائل إلا وقد كان عبّر عن المعنى الذي كان يُشار إليه من قبلُ بالبنان، ثُم تمّ تجريده من الملموس المباشر إلى المجرد الغائب في غوامض الغيب، فأصبح الكلام تجريداً أقصى للمعاني، وأصبحت المرئيات قابلة للتحوُّل إلى مسموعات، وأصبح الذهن البشري بمثابة برنامج كومبيوتري (سوفتوير) يجيد تحويل التجسيم إلى تجريد، والمجرد إلى ملموس، والمرئي إلى لامرئي، واللامرئي إلى مرئي، والعابر إلى دائم، والدائم إلى عابر. والشاهد أن من يتعلم لغة أُخرى غير لغته الأصلية يواجه صعوبات كبيرة وعسراً شديداً في بداية رحلته الدراسية لتلك اللغة، حتى يتسنّى لدماغه أن يفرد مساحة خاصة لصوتيات ومرئيات اللغة الجديدة؛ ثم تأتي لحظة الحقيقة، فإذا به ينطق ويكتب بعد أن كان عاجزاً كالطفل الذي يبدأ في التأتأة ثم يتحدث بعد حين.

المراحل التي يمر فيها الطفل ترميز مكثف إلى تاريخ العلاقة الإنسانية بالكلام والمقال. وهكذا فإن التشويش الذي ينتاب الطفل وهو يبحر في مياه الكلام المترجرجة أشبه بالمتوالية التاريخية ذاتها التي مر بها الإنسان. والشاهد أيضاً أن التطور البيولولجي ذاته للكائن الإنساني يختزله الطفل في سنين حياته الأولى.

الحرف والدماغ

يختزل الدماغ الإنساني قابليات الحرف، ببعديه المرئي والمسموع، ليكون الدماغ بمثابة القائد الأعلى لعلوم المعارف النابعة من الغيوب، وليصبح الياقوتة الفريدة في الجسد الآدمي، ولينفسح على تناصّات عبقرية مع الأحاسيس والمشاعر، مع الحكمة والأهواء، بل ومع المعقول واللامعقول.

لهذه الأسباب مجتمعة تبدو الأصوات والحروف بمثابة خوارزميات رياضية محكومة بتوازنات موسيقية نبيلة، وبتغايرات مفتوحة على الإبداع، الذي لا حد له ولا حدود؛ ولهذا كان القائل يقول: «سمعت قوماً يتكلمون بكلام من كلامنا وليس من كلامنا!!»، وقال بشار ابن برد:

يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقة

                 والأُذن تعشق قبل العين أحياناً

 وأضاف الثالث قائلاً: «إن لم تقف على ما لا ينقال تشتّتّ فيما ينقال». والمقصود أن «من لا يعرف الإشارة لا تسعفه العبارة»، ومن لا يعرف الصمت لا يُدرك كُنه الكلام.

لازمة للتذكير:

 المتحدث القائل: «سمعت قوما... إلخ» أعرابي سمع جماعة من المتأدبين يتكلمون في بغداد وعرف أنهم يتحدثون بالعربية، لكنه لم يفهم ما يقولون. وهنا إشارة هامة تتعلق بفضاءات القول اللامتناهية.

 المتحدث الثاني القائل: «يا قوم أُذني لبعض الحي... الخ» هو الشاعر الضرير بشار ابن برد، الذي سمع صوت المغنية الآسر فعشقها دون أن يراها. وتلك لطيفة من لطائف التناص المعنوي والروحي والدلالي. ولعل بشار رآها بعين قلبه وهو يتوحّد مع نسائم صوتها الجميل.

 المتحدث الثالث هو محمد ابن عبد الجبار النفّرّي صاحب «المواقف والمخاطبات» الذي ألهم الحائرين وشغل الرائين.

أرفع درجات التعبير

اللغة أرفع درجات التعبير عن الذات والموضوع؛ ذلك أنها ليست قاموساً بمفردات، بل هي جماع المفردات والإشارات والإيماءات والفراغات والصورة؛ حتى أن الهيئة أو الصورة التي نراها أمامنا بوصفها كلمة تحمل في طياتها سلسلة موازية من التعابير أو اللغات؛ فالكلمة المكتوبة رسم وصوت وإشارة وموسيقى ومعنى، فهي رسم لأنها تمر عبر عدسات العين، وتترجم كمعنى يفيض بانزياحات وتعدد دلالات، فالكلمة حمّالة أوجه حتى وإن تأطرت بمعنى من المعاني القاموسية؛ وهي صوت لأنها تحمل الأصول الصوتية لكل حرف، فحرف الألف الذي يُـعرّف بوصفه محلاًّ هندسياً لنقطة ضمن مسار معلوم إنما هو أيضاً صوت يخرج من جوف الفؤاد ممتداً في الأثير، وإلى ذلك يمتد حكم الصوت الذي تلتقطه الأذن بعد أن يتحوّل إلى دوائر تنزاح ضمن متوالية هندسية؛ فالشاهد أن العين تلتقط الصورة وفق مسارات مستقيمة، ولهذا فإن العين لا ترى ما وراء الحجب، غير أن الأذن تلتقط الصوت ضمن مسارات دائرية حلزونية، ولهذا فإنها تسمع ما وراء الجدران، وأحياناً ما وراء الحجب.

لقد رأينا كيف أن الأعمى يكون بصيراً؛ لأن حاسة الاستماع لديه تكون أكثر تطوراً من الآخرين المبصرين. فيما يكون الأبكم أكثر قدرة على إعمال يديه وعينيه، مجيداً بعض أنواع الحِـرف التي قد لا يقدر عليها المبصرون الاعتياديون.

من ذلك نرى أن الكلمة التي تحمل في طيّاتها الصورة والصوت تحمل أيضاً موسيقى الوجود، فهي مموسقة جبراً لا خياراً. آية ذلك: تراتب الحركة والسكون في اللغات الإنسانية تراتباً موسيقياً. أيضاً تناوب ميزان الاستقامة الشكلية والصوتية في الكلام، حتى أن كل كلام العالمين جميل، جميل، جميل... وليس من لغة على وجه الكرة الأرضية إلا وتحمل القيم الجمالية ذاتها، التي تتروْحَنُ بتفاعلها الشامل مع الذات والموضوع (الإنسان والوجود)؛ ذلك أن ما نراه الآن في محركات البحث بأجهزة الكمبيوتر والتي تعمل وفق لوغاريتمات رياضية جبرية موسيقية، وتتمكن من تحويل اللغات بعضها إلى بعض، و تختزل الإشارات وتحيلها إلى صور أصوات وتمازجات لا متناهية، إنما تستقيم على «لوغاريتمات مموسقة»؛ لأنها محكومة بالميزان الرياضي، هذا وقد تأسس علم الكومبيوتر المعاصر على سابقه علم «السيبرنيتيكا»، وهو العلم الذي يسمى أيضاً «علم المعالجة الالكترونية للمعطيات».

محركات البحث ما كان لها أن تقوم بهذا العمل لولا البرامج اللغوية التي استفزت واستسْبرتْ أسرار الكلام، فوجدتْ أن اللغة أشمل من قاموس المفردات وسياق العبارات ومألوف المعاني وما يتمّ دراسته وترداده رسماً عن رسم. فاللغة بحر من مداد لا ينفد، والكلمات غيض من فيض لا يُدرك؛ قال تعالى: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي}. وفي أساطير الأولين افتراض بأن اللغة جاءت من السماء، وأن الكلام تنزّلٌ رباني حوّل الإنسان من كائن يشير إلى الأشياء بالبنان إلى إنسان ناطق. قال تعالى {وعلـّـم آدم الأسماء كلها}. وفي هذه لطيفة من لطائف التعليم الإلهي الذي يرينا أن اللغة نابعة من علياء الكون وجواهر الوجود. وهي بهذا المعنى ليست كلاماً مرسلاً نقوله، بل إنها ترجمان شامل للغة فوق اللغات، ولتعبير يتجاوز التعبيرات، ولحالة كليانيّـة تسمو على الجزئيات.

ماهية الكلام

علماء الألسنيات توقفوا أمام أسئلة كثيرة تتعلق بماهية الكلام، فعقدوا مقارنة بين النص وبين صاحبه من جهة، وبين المرئي وبين المسموع من جهة أخرى، فإذا هم أمام متوالية من ثنائيات لا تنقطع: الظاهر والباطن، المستتر والمكشوف، المرسوم والمضمر، المرقوم والمتواري، المرئي واللامرئي، الامتلاء والفراغ، الأنا الكاتبة والكتابة.. الخ. وقد استجلى الشيخ محيي الدين بن عربي هذه الثنائيات في معرض بحثه عن ماهية الحرف، فقال ما معناه: إن الحرف رقمٌ وصوت وروح ورسمٌ، وإنه يستمد حياته وكينونته من الوجود الكلـّـي، فهو في ظاهره ينتمي لأعيان الممكنات، وفي باطنه يتجلـّـى في عين الحقيقة على قدر بساطته، ويستنفد المعاني والدلالات المُدْرَكة والغائبة. وعقدَ الشيخ مقاربة بين هذه الثنائيات المفاهيمية تقول إنها تتجوهر في «الواحديـّـة»، فهي جمعٌ وإن كانت متفرقة، وهي واحد وإن كانت اثنين، وهي مُوحّدة وإن كانت مُتشظّية. فما نراه من تفرق ليس إلا صوراً تتداعى وتمر مرّ السحاب، ولا تموت وإن تلاشت أو خبتْ، وتلك الصور محكومة بضابط كوني مُطلق يتجلـّـى في «البرزخ» بوصفه المعادل الوجودي للثنائيات، ومعادل يتوسط بينهما، فيصل ويفصل بين هذه الثنائيات بوجوه متقلـّـبة تقلـُّـبَ الأحوال والمقامات، فإذا كان البرزخ هو الحاكم الضابط الجامع لأعيان الكلمات، صوراً وظهوراً ومعاني، فإن القطب الصوفي هو الضابط الجامع الحاكم لتجليات الخلـْـق بتلاوينهم وتناقضاتهم وتدافعاتهم في الحياة.

على خط متصل، توقف جاك دريدا ورولان بارت أمام اللغة كـ»تأليف»، فقالا بموت المؤلف، كلاًّ على طريقته؛ لكنهما لم يُفارقا الأصل الذي ذهبنا إليه، فقد رأى دريدا أن التأليف ليس ترجمة ناجزة لما كتبه المؤلف؛ لسببين: الأول أن من يكتب يتجاوز بالضرورة أفكاره السابقة على الكتابة، لأنه يتداعى مع لحظة الإبداع، ويفارق بهذا القدر أو ذاك ما كان قد عقد العزم على كتابته. والسبب الثاني أن المتلقي ليس واحداً، بل مُتعدد، وأن هذه التعددية في التلقي تومئ إلى تعددية أشمل تتعلق بزمن التلقي ومستوى المتلقي وثقافته وحالاته النفسية. يضاف إلى كل ذلك التواشج البيوكيميائي بين المؤلف والكتابة التي تتصل بكامل البيئة الحاضنة لزمن الكتابة، من بياض الصفحة وحتى نور الغرفة ومؤثراتها البصرية والصوتية. وهذا يذكرنا بما كان يقوله ابن عربي حول الهاتف والنداء والصوت، ويحيلهم إلى لحظة الكتابة، فلقد دأب في مؤلفاته على استهلال مثل هذا: «في سنة كذا وكذا جاءني هاتف وطلب مني أن أسطر هذا الكتاب»، أو: «في يوم كذا من سنة كذا سمعت نداء يميد بي إلى أخذ القلم والكتابة». يقول ابن عربي إن في العالم لغة واحدة فقط. ويجير كلامه على العربية، معتبراً لغة القرآن بمثابة اللغة الجامعة الشاملة والحاضنة لكل اللغات. والتفسير يكمن في قراءة مراتب الحروف من حيث الرسم والصوت والعلاقة بالكلام، والعلاقة بالتلقي، والعلاقة بموسيقى الوجود أو ميزان الوجود المحكوم بالنواميس الإلهية والمشيئة الربانية، وبالتالي فإن هذا الميزان يُمثل الجبر في ثنائية الجبر والاختيار، فيما يستطيع الإنسان أن يذهب في خياره إلى حدود التعدي على النواميس فيخسر نفسه لا محالة، فالاتساق مع المشيئة الربانية وميزان الكون مدعاة للنجاة، والاعتداء عليها مدعاة للهلاك.

مثابة اللغة

تعتبر اللغة الترميز الأقصى للماهيات والموازين الكلية في الوجود، ولذلك فإنها تستبطن كامل شروط الوجود المرئي واللامرئي. والعربية تلتزم هذا النهج من خلال سياقها الصرفي وميزانها النحوي، فهي لا تُكتب كما تُقرأ كحال أغلب اللغات، بل إن رسمها المكتوب يعبر عن بعض من كُل. ألا تلاحظ أن الصوتيات مُضْمرة في العربية؟ فليس من الضروري أن نكتب الحركات التسع المعروفة (فتحة وضمة وكسرة وفتحتين وضمتين وكسرتين، وسكون ومدّ وشد)، وبالتالي تبدو لغة العرب موصولة بالتعمية والإضمار. وهذه التعمية ليست مثلبة، بل ميزة كبرى ترينا كيف أن المرئي في العربية يتوازى مع اللامرئي، وكيف أن مقام اللامرئي أسمى وأجل قدراً من المرئي المكتوب، وكيف أنها لغة تتجاوز البرهان الرياضي الشكلاني إلى آفاق موصولة بالذائقة والغيب، فالغيب (المجهول) ليس مصدراً للغة فحسب، بل أساس للمعرفة، وعند الإمام محمد ابن محمد حامد الغزالي أن متاخمة المجهول للمعلوم سبب لانجلاء المعلوم، وأن المعرفة الحقيقية ليست برهانية رياضية، على أهمية ذلك، بل انبجاسات وتفتقات وأنوار يقذفها الله في القلوب.

ينقلنا هذا الاستنتاج إلى مصدر الكون، الذي كان «عماء في عماء»، يوم أن استوى الله على السماوات وهي دخان؛ غير أن هذا العماء أنتج أراضي وسماوات وأكواناً وتجليات مما لا يتسع له الحديث.

العربية بهذا المعنى استطراد على «العماء» من حيث كونها مفارقة لشمول التوازن الصوتي البصري شكلياً، بالرغم من جوهرية هذا التوازن! نكتب بعضاً من الكلام للتدليل على كل الكلام، لأننا نكتب الكلمة دون صوتيات، لكننا نقرأ كل الكلام فنغيب في «التعمية» الإبداعية الموصولة بالذاكرة والذائقة. لكن هذا لا يكفي، فالكلمة تعيش انزياحاتها الدلالية المطلقة، والإشارة تقبع وراء العبارة، والاتصال غير اللفظي سمة حاسمة في ميزان الجمال والجلال اللغويين.

مدارات الحروف

مدار الجيم

تتموضع الجيم في مدار الرقم ثلاثة المكون من ثلاثة آحاد أو اثنين وواحد. وهي بهذا المعنى تجاور الفردي والزوجي، لكونها تتضمنهما. لكن هذه الثنائية التقابلية بين المستويين تتمرآى في الكتابة من خلال العلاقة بين التتويج والامتلاء، فالجيم المكتوبة خارج السطر تتشكّل من نصف دائرة ممتلئة تتوسطها النقطة ويتربع على رأسها تويج من مد، مما يحيل الجيم إلى مستويات ثلاثة: نقطة، ونصف دائرة قابلة للكمال الدائري، وألف ممدودة على رأس المكتوب. ومن هنا نتلمّس لطائف الحرف وجمالياته ومغازيه. ولأن كلمة «التجريب» تتوسطها الجيم، ولأن التجريب مخاض بطبيعته، ولأنه متشظٍّ كالجيم التي تتناتفها المستويات الثلاثة القلقة آنفة الذكر، فإن التجريب في الفن مدار من مدارات الحيرة والدوران، وهو العتبة الأولى للتجربة الفنية التي تقدم نفسها بخصوصية المبدع وتراكم خبرته وتجربته.

الفن والتجريب مقولة أساسية في علم الجمال والنقد معاً؛ غير أن التجريب الفني تحول في أيامنا إلى ضرب من التجديف المخل، تحت مسمى الإثارة والحداثة؛ فلم تعد الأسلوبية والتجريبية قائمة على امتلاك فيوضات معرفية وممارسية في النوع الفني المحدد، بل أصبحت غواية اعتيادية تستجدي استكتاب النقد الانطباعي تارة، وإرضاء الدوائر المتاجرة بالفن تارة أخرى. وفي نهاية المطاف يدفع الفن والأدب الثمن الباهظ لهذا النوع من الممارسة الاستنسابية المتساهلة، والتي تنم في آن واحد عن مشكلة حقيقية في الأدب والفن.

سنلاحظ مثل هذا الأمر في مختلف وسائل إنتاج وإعادة إنتاج المعرفة الفنية الثقافية، ابتداء من فضائيات الفيديو كليب، مروراً بالمسرحيات التي تتوسل الضحك فيما أسميه بمسرح الكوميديا المفتعلة (أولتراكوميدي) ذات النفس الشعبوي، والتي تُضحك الدهماء المخطوفين، فيما تُبكي الذائقة الواعية.

الأمر ذاته يستمر أيضا في الشعر والرواية والقصة القصيرة والترجمة والتشكيل. أي أننا بصدد تيار جارف للتخريب الفني الثقافي الملغوم بأيديولوجيا التسطيح والتطاول على المعارف الفنية الأكاديمية، والتنطّع على تراث الكبار ممن أصّلوا وجرّبوا، عرفوا وعرّفوا، وصلوا إلى الأسلوبية الفنية بعد صراع مرير مع الذات والموضوع، فأين نحن منهم؟

 أمثلة في التجريب

أضرب هنا بعض الأمثلة الدالة على خطورة وإشكالية التجريب الفني الإبداعي. وسنرى من هم الذين يجرؤون على هذا التنويع التجديدي الباحث عن أسلوب جديد، والمفارق للمعلوم والمعروف من ثوابت الأبنية الدرامية واللحنية والبصرية.

عندما تجرأ المخرج الايطالي فلليني على مفارقة النسق «التقليدي» في الإخراج، متجاوزاً تراتبية: «الفكر، السيناريو، التصوير، الإخراج، المونتاج» في فيلمه المعروف باسم «روما فلليني»؛ لم يكن متنطعاً ومجدّفاً في التجريب، بل كان رائياً لما يفعل، وهو المثقف والفنان الشامل والسينمائي المجرب الذي خبر تناويع الفعل الإبداعي وتفاصيله، ممارسة ودرساً. وكان إلى ذلك مفعماً بثقافة بنائية فنية، سواء في الأدب أم الفنون المختلفة، الأمر الذي ساعده على التصوير المباشر لإيقاع مدينته (روما) وهو يحمل في دواخله التصور الذهني الواضح لمصائر ذلك التصوير «العشوائي»، ولكن المحكوم برؤى ومفاهيم ذهنية تستبق التصوير والسيناريو والفكرة وتقدم حالة من التمفصلات الدرامية المسافرة على بساط الكاميرا الحية.

كان فلليني يدرك تماماً عبء المهمة وثقل المسؤولية، لكنه غامر من موقع العارف الممتلئ لا الاستنسابي الخفيف.

في السينما أيضا قدم المخرج الروسي الكبير ايزنشتين أول تجربة سينمائية مونتاجية في وقت مبكر من تاريخ السينما، وكانت تلك التجربة غير المسبوقة قائمة على استسبار للفنون البصرية والسردية، بل على انفتاح تساؤلي مقلق جعله يتمثّل كامل معارفه الشخصية للوصول إلى ما يسمى بتقطيع اللقطات، وإعادة تركيبها ضمن توليفة تبحث في «المونتاج الذهني» وتحيله إلى منطق بصري جديد يتلاعب بالأزمنة والأمكنة ويخل بالتراتب المعهود في الزمن السينمائي.

هل كان لايزنشتين أن يفعل ذلك لولا ثقافته الشاملة واستعارته لأدوات معرفية وذوقية فاضت به إلى تخوم المنطق البصري والتركيبي للغة اليابانية كيما يصور فيلم «المدرعة بوتمكين»؟!

وفي السينما أيضا قام المخرج الايطالي الطليعي فيسكونتي بأول تجربة سينمائية تراجع البناء الدرامي التقليدي للنص السينمائي، فكان عمله السينمائي الذي تحول إلى محطة تجريب وتجديد في السينما العالمية «روكو وإخوانه»، حيث اعتمد فيه فيسكونتي على توازي السير الذاتية، وتداخل الأزمنة والأمكنة، فأفسح المجال لتوليفة درامية دائرية لا تقطع الحدث بحل جاهز، بل تتقرّى استمرارية الحياة وتقلباتها، رائياً للحالة البشرية باعتبارها حالة قدرية، تحولية، وعميقة في مفاجآتها. وفي الحقيقة، هكذا هي الحياة: تفرق المجتمعين وتجمع المتفرقين، تعقد مقابلاتها الاكروباتية بين ما كان وبين ما سيكون. هل كان لفسكونتي أن يتنطّع ويجرّب لو لم يكن عليما بأدواته الموصولة بثقافة بصرية ودرامية شاملة؟

حول الرواية

ننتقل إلى التجريب في الأدب الروائي، وسأضرب مثلين:

< المثل الأول في رواية «قصة موت معلن» للكولومبي الكبير جابريل جارسيا ماركيز والذي استوقفه حدث غرائبي من جهة وواقعي حد الموت الزؤام من جهة أخرى. والموضوع يتعلق بمقتل العاشق الغامض «سنتياغو نصار»، الذي تم خلال سويعات من نهار، وكان قتلته المترددون، المعلنون نيتهم قتله، على أمل أن يردعهم رادع أو يراجعهم مراجع. قتلته هؤلاء نفذوا الجريمة بيد باردة وبسكاكين المطابخ كما يقول ماركيز، والسبب أنهم سمعوا عن علاقة بين أختهم وبين سنتياغو نصار! وكانت المقتلة النهارية مع سبق الإصرار والترصد موصولة برغبة دفينة لدى القتلة في ألاَّ يجدوا الضحية أو أن يمتنعوا عن قتله بكيفية ما! لكنه، وبكل بساطة، فتح لهم الباب حتى يتلقّى طعنات السكاكين الصدئة!

في هذا العمل الروائي كان من الطبيعي أن يحتار أي سارد عارف أمام طبيعة الموضوع وبساطته الواقعية، بمقابل الثمن الفادح الذي دفعه العاشق سنتياغو نصار. وكان من الطبيعي أن يحتار السارد أيضا أمام رواية تمتد أحداثها 24 ساعة فقط، منذ انطلاق الشائعة التي أشارت إلى علاقة ما بين أخت الجناة وبين الضحية، وحتى مقتله التراجيدي في صباح اليوم التالي. وكان من الطبيعي أن يقلق الروائي على السرد والخيط الرابط بين الأحداث، خاصة وأن عناصر الحبكة تتوارى في أقبية الشرطة والتحري والقضاء.

اعترف ماركيز بهذه المتاعب، وقرر أن يخوض المغامرة استناداً إلى «تفاهة السبب» الذي أدى إلى مقتل سنتياغو نصار! وتحدياً لأدواته الروائية التي عليها أن تتعامل مع قصة ملحمية بهذا القدر من الغموض الغرائبي، واستخدم كل إمكانياته الصحفية والسينمائية كسيناريست ومحقق صحفي، واشتغل على القالب الروائي، كيما يبقى القارئ في تمام الدهشة والتساؤل والاستغراب، فكان له أن يقدم لنا فتحاً كبيراً في السرد الروائي المتجدد، تماماً كما فعل أيضاً في رائعته الأخرى «خريف البطريارك»، مستخدماً سرداً هوميروسياً ملحمياً، ولغة توراتية نبوئية، وضمائر تختلّ بالإحالات العفوية للنصوص والأحاديث، وأوصاف تماهى بين المعقول واللامعقول.

هل كان لماركيز أن ينجح في تجريبه لولا ذائقته الرفيعة وثقافته الموسوعية، وامتلاكه لأدوات السرد، كفاتح عظيم في هذا الباب؟

في التشكيل والمسرح

في الفن التشكيلي يمكن اختيار تجربة الفنان الاسباني سلفادور دالي، الذي خرج من قلب الواقعية التعبيرية، وتمكن من أداوته كأحد أكبر الحرفيين في التعامل مع الكتلة واللون والخط، وفاضت به التجارب حتى وصل إلى تخوم التجريب السريالي كأشهر فنان تشكيلي حاول التعبير عن منجزات العلوم السيكوليوجية والباراسيكيولوجية، تماماً كرديفه الروائي الايطالي ألبرتو مورافيا، صاحب رواية « أنا وهو وهي»؛ ولكن في أفق آخر. والشاهد أن هؤلاء جميعاً ما كان لهم أن يجربوا ويقدموا جديداً لولا الفيض المعرفي الممارسي، والتراكم الكمي الذي أفضى بهم إلى تقديم نوع جديد.

الأمثلة السابقة أوردتها للتدليل على مشروعية التجريب الفني من جهة، وعلى صعوبة هذا التجريب من جهة أخرى؛ فمن لا يمتلك أدوات التجريب استناداً إلى سابق إنتاجه ومكانته الفنية إنما يتنطّع ويدخل نفسه في خرم إبرة ضيقة.

كان المخرج الألماني برتولد بريشت كبير المجربين المغادرين لأدوات المسرح الكلاسيكي، وقد تمكّن من استخدام فكرة التغريب الفلسفية كيما ينزاح بالمسرح الأكاديمي ويضع اللبنات الأولى للمسرح الملحمي الذي يعتدّ بمكانة الجمهور، ويدخله في صلب العملية الدرامية، من خلال إلغاء حاجز الوهم، والتعامل مع الحقيقة المسرحية بوصفها إعادة إنتاج للواقع، وليست واقعاً موازياً للواقع.

وما كان لبريخت أن يفعل ذلك إلا عبر أدوات مبتكرة كسرت السينوغرافيا التقليدية، واستفادت من نتاجات الفنون الأخرى، وأمعنت في استنطاق الفكر.

مدار النون

النون دائرة ناقصة ولكن قابلة للكمال. والدائرة تتميز عن كل الهيئات الهندسية، لكونها بدون زوايا، فلا يحدها حد. وإذا تتبعنا العلاقة بين الأرقام العربية والزوايا سنجد شاهداً برهانياً على أن الأرقام تسمّت بأسمائها استناداً إلى الزوايا، وبالتالي يكون للواحد زاوية واحدة، وللاثنين زاويتان، وللثلاثة ثلاث زوايا... وهكذا حتى نصل إلى التسعة،، لكن الدائرة تتجاوز الزوايا والحدود، وهي بمثابة النون التي اكتملت بالنقطة، مما يتطلب ذائقة استبصار واستكناه.

تتجوهر النون في الكينونة. فالله تعالى يقول للشيء: «كُن»، فيكون. ومن هنا تتموضع النون في مثابتي النقطة والدائرة، ويا لهما من مكانتين مرموقتين!

النون رافعة النص. ويبقى التساؤل حول مصداقية النص، وهل هو نابع من الذات الكاتبة فحسب؟ وهل هو محكوم بمسبق ذهني نمطي جاهز؟ وهل النموذج يمثل السياق الحاسم في المعادلة الكتابية؟ وما هو التأليف؟ وهل يتلقى قارئ النص، بوصفه حالة واحدة، بذائقة موحدة؟... هذا التساؤلات تقتضي بياناً.

عندما كتب رولان بارت مقاله الذي ملأ الدنيا وشغل الناس تحت عنوان «موت المؤلف»، كان مأخوذا بنظرية التلقي الجمالية؛ تلك النظرية التي مهّد لها سابقوه وأصّلها هو في معرض متابعته لتعددية التلقي، مما يرفع من مكانة القارئ ويجعله صنواً للمؤلف، أو مؤلفاً يقتفي أثر المؤلف فيما يلغيه عن طريق الهضم والاستيعاب والتداعيات.

إلى ذلك رأى رولان بارت أن المؤلف فيما يكتب إنما يستعيد ذاته عاكساً عوالمه السيكيولوجية والنفسية، منصاعاً لزمن الإبداع الذي يأتيه فيضاً مخطوفاً بالكلام واللغة، بل أيضا بالمساحة البيضاء التي يكتب فيها، حيث تتحول تقاطعات البياض بالسواد إلى معادل بصري يرتقي إلى مستوى الدلالة.

تنطلق الفكرة الجوهرية القائلة بموت المؤلف من أن هذا المؤلف ينصاع لقوانين الكتابة ونواميسها الروحية، مما يجعله سارداً محايداً، حتى وهو يتوهّم أنه يعبر عن قناعاته! ولا يمكن الإمساك بمثل هذه الفكرة المتضبّبة الغائمة إلا إذا استوعبنا المشروع الانقلابي الذي أراده رولان بارت في نظره لفلسفة القراءة والكتابة معاً. فالقارئ الجديد عليه أن يتخلّص من عبء التماهي التام مع الكاتب المؤلف؛ لأن ذلك الكاتب المؤلف ليس سارداً لذاته فقط، بل لحقائق تفرضها شروط الكتابة وأبعادها. كما أن على المؤلف أن يتنازل عن مركزيته الواهمة وهو يفترض أنه البطل الأوحد في النص.

بكلمات أخرى: يريد صاحب الفكرة سحب البساط من فكرة النجم الكاتب الذي يعيد تدوير معطيات الحياة وتفاصيلها، ويرى رولان بارت عوضاً عن ذلك الاستعاضة عنها بسلطة النص؛ ذلك أن الكتابة ليست شهادة على ما كان، أو عملية إثبات وتسجيل وتوثيق لشواهد، بل حالة موصولة بالمستقبل، متجاوزة للـ»أنا» الساردة، ومُشتركة في كتابة النص المقروء.

هذا الاستنتاج نجد له توازياً في العديد من المؤلفات القديمة التي تحدثت عن اللمعات والبوارق وومضات الفكرة الجديدة المدهشة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان وتقبع في مكان ما خارج الزمن الفيزيائي وفوق إدراك وإرادة صاحب النص بالمعاني العقلية والمسبقات الذهنية.

رولان بارت وأمثاله من منظري النص الجديد استفادوا من علم جمال الشكل بحثاً عن مضامين جديدة. ولقد استبطنوا ما كان، مُؤكدين، تالياً وثالثاً، أن فلسفة الكتابة تتموضع في عمق التاريخ الإنساني، ولا تحيد عن هذه الديمومة.

في مدار النون

إبراهيم الكوني أحد أهم الروائيين العرب المعاصرين إن لم يكن أكثرهم حضوراً في الإنتاج والتداعي التام مع خياراته المؤصلة معرفياً وثقافياً. امتلك ناصية السرد المقرون بثقافة مؤسسة على قراءات راكزة، واستشفاف عميق لحكمة النصوص التاريخية، حيث نجد فيه ولديه التقاطات غاية في الحيوية والطرافة. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال جملة المتكآت النصيّة الدالة والتي يستخرجها من تضاعيف الذاكرة الموصولة باستعادات ماضوية هامة، نذكر منها هنا:

< النصوص التي يقدمها كعتبات لفصول بعض رواياته، والتي تنم عن اختيار محكوم بقصدية مؤكدة، ولكن أيضا بفرادة تتطلب من السارد اختيار الجواهر من بين ركام الكتابات والمقاربات والعقائد، حتى يصل إلى مثل تلك الانتقاءات الفريدة. وفي هذا الباب سنجد نصوصاً تاريخية، وأخرى من العهدين القديم والجديد، ونصوصاً صوفية، وبعض النصوص من الآداب الشعبية الصحراوية. جملة تلك الاختيارات تنسكب في أساس النص السردي، مُمهدة له، وسابحة في فضاء الدلالة الحكمية التي يريد أن يعيد تصويرها السارد بوصفها انزياحًا إبداعياً نحو شكل جديد في الكتابة.

< هذا النوع من الانتقاء الذكي لا يعني الإقامة في الماضي، بل الأخذ بفكرة التدوير، فما قاله الأولون واحتاروا فيه هو ما نقوله اليوم ونحتار فيه أيضاً، ولكن بكيفيات مختلفة، وبتجليات مغايرة. وبهذا المعنى فإن «الكوني» يتلمّس روحيته السردية من خلال التدوير الخماسي بالمعنى الموسيقي. السُلّم الخماسي رديف للصحراء، موصول بلازمة تعيد إنتاج نفسها علواً وهبوطاً. والحال أن نص «الكوني» يعيد إنتاج الحقيقة الأزلية بطرائق مُتعددة، مما يذكرنا بالمقامات اللحنية الصحراوية ذاتها المغروسة في أعماق التاريخ والمنتشرة في متاهة الصحراء.

< التدوير سمة تؤكد واحدية الأكوان، وتشابك الأنواع الفنية. فالنص «الكوني» يستقيم على موسيقى الوجود، ويتلمس الطريق لشفافية العلاقة بين الكلمة وبين النغم، الصورة وما يتجاوزها، التشبيه والتجريد... وأخيراً الحرية والعبودية.

مدارات «الكوني»

 التماهي مع الطبيعة حالة إقامة دلالية وذوقية في نصوص الروائي إبراهيم الكوني، هنالك حيث تتحول الصحراء إلى مُعادل مطلق لتجليات الوجود، وتصبح لغة الرمال موازية لأصوات البشر وأنينهم، وتتحوّل فيها المفازات المفتوحة على الآماد اللامتناهية إلى ترميز لمحنة الحضور التعس في الحياة، وتتموسق العوالم ضمن متوالية لمركزية التدوير في المعنى والمبنى في الروح والجسد، فإذا بنا نعيد إنتاج الذي كان، فيما ننزاح سفراً في الأفراح والأتراح، نواجه مصائرنا المحتومة ونحن ننغمس في اللذة الأبيقورية المشعة من واحات الصحراء الخضراء، ومياهها العذبة، ونسائها اللائي كجمال وردة الصبار، تلك الوردة الزاهية الرائعة التي لا يمكن الوصول إليها دون ثمن باهض؛ فالصبار يحيط وروده بسياجات من الأشواك المتوحشة النافرة، فمن أراد الوصول إليها عليه أن يدفع الثمن ألماً ونزفاً وحُمّى.

هكذا هي بنت الصحراء الكبرى: جمال كجمال الواحات الخضراء وسط الصحراء الأبدية، وروعة كأقواس قزح وسط سماء خرجت لتوها من ضبايبة المطر الغزير، وذكاء يتغذّى من توازن الصحراء وأشجارها الدوائية، ورشاقة كرشاقة الغزلان الشاردة، وقوة تحمل كناقة الصحراء الصابرة الصبورة.

تحتل الإشارة مكانة متميزة في سرديات «الكوني»، سواء في الإيماءات النصيّة الموصولة بالعتبات، أم في تلك الإشارات القادمة من لغة «الطوارق»، سواء كانت لغة محكية، أم غوامض رمزية ذات دلالات محددة. فـ«الكوني» لا يتورع عن تطويع نصه لتلك العوالم الإشارية، بل يرتكز في نزعته فوق الواقعية على تلك العوالم السحرية للمتصوفة والأسلاف المهجوسين بالأساطير وفلسفة المدى المفتوح.

تصبح الطبيعة في نصوصه كتاباً مفتوحاً يومئ للدهر وتقلباته، وتُصبح عناصر الطبيعة، من رمال متحركة ونباتات متناثرة وأشجار متعددة الأشكال والهيئات... تصبح هذه العناصر بمثابة كائنات تتناوب الجوار مع الـ«أنا» الآدمية. فيما يبدو الجمل الصحراوي في مكانة مركزية من تلك الأحوال. ففي روايته «التبر» تصبح الناقة البطل الأول الذي يتقلّب في محارق الشوق والهجر، الضنى والراحة، التوق واليأس، حتى إن المهري يسيطر على فكر صاحبه ويحدد معالم أيامه ومصيره!

المهري جمل صحراوي من طراز فريد، وكائن حي يعرف متاهات الرمال وأبعاد أحوالها. إنه الحكم والخصم الذي اعتلى به السارد حتى أوصله إلى مقام يتناسب مع عمق الصحراء وآمادها المفتوحة.

المهري (الجمل) مثل «أوخيد» (البطل)، كلاهما يصارع الزمن بحثاً عن الحرية، وكلاهما يقع في أسر العبودية بمجرد التسليم للغريزة. وهكذا نقرأ في «التبر» أن بريق الذهب يوازي الرمال! فيما الرمال والانتماء لمداها الحر هو التبر (الذهب الحقيقي).

والتّبر كالتُّرب

 يقول الإمام الشافعي:

والتّبر كالتُّرب مُلقىً في أماكنه

           والعود في أرضه نوع من الحطب

فيُجري مقابلة بين الذهب والتراب (التّبر والتّرب)، مؤكداً أن الذي يَرى في العود ذهباً هو من يعرف العود بوصفه نوعاً من الخشب النبيل ذي الرائحة الزكية، كما أن مكانة العود النبيل تتقلّص في المناطق التي تنمو فيها تلك الأشجار، حيث أنها في عُرف ومفهوم سكانها ليست إلا نوعاً من الحطب أو الخشب. أما بالنسبة لمن لا يرى العود في بيئته فإنه يراه معادلاً للذهب في ندرته وسعره ومكانته.

كتب إبراهيم الكوني رواية «التبر» التي تروي لنا حكاية الصحراوي الطوارقي «أوخيّد» وعلاقته بالمهري (الجمل المهري: نسبة إلى ذلك النوع النبيل من الجمال التي تعيش في صحراء اليمن، والإبل المهرية نجائب تسبق الخيل، منسوبة إلى قبيلة مهرة بن حيدان من اليمن).

 ذلك الجمل الذي أسماه «الأبلق» قياساً إلى لونه الاستثنائي الزاهي، سيصبح مركز الرواية وقلبها النابض؛ لأن «أوخيّد» يعتبره سبب الانعتاق من الارتهان للناس والطبيعة، فهو رفيق الدروب الطويلة، ورمز الوفاء، ومصدر الإلهام، وحالة السكينة المفارقة لمألوف العادات الدنيوية في مناطق الحضر والواحات الساكنة الوادعة؛ غير أن «الأبلق» وصاحبه محكومان بنواميس الحياة ووحشية الأيام، وكلاهما يلقى المصير نفسه الذي يرينا مدى تنكُّب الكائنات لمشقة حياة عامرة بالارتهان طالما ظل الكائن فاقداً لقيمة الحرية وجوهرها. أساس الحرية الاستغناء عن الغرائز، لكن هذا أمر مستحيل كما سنرى تباعاً.

سيرة «أوخيّد» الصحراوي في رواية إبراهيم الكوني مشابهة تماماً لسيرة «الأبلق» الجمل؛ يتشاركان الحياة في الصحراء المفتوحة، ويقتنصان السكينة في لحظات الصفاء النادر، ويدفعان الثمن الباهض للاقتران بالأنثى، ويتماوجان معاً صعوداً وهبوطاً في تصاريف الأيام ومتاعبها.

الجمل المهري

المهري الصحراوي الذي يسميه الروائي إبراهيم الكوني «الأبلق» يتحول إلى معادل شامل لحيوات الصحراء ونواميس الوجود، ويتبادل مع صاحبه حديث الإشارة الأعمق من الكلام، فيقيمان معاً في زمن الاتصال غير اللفظي، وفي مختلف الظروف، فيما تتحول حياة صاحب المهري (أوخيّد) إلى حالة مركزية يتعمْلق فيها الأبلق حتى منتصف رواية «التبر»، وحالما تصل حبيبة «أوخيّد» ومعذبته «الزوجة النابعة من جمال الواحات وفتنة الصحراء» تخبو العلاقة بين «أوخيّد» و«الأبلق»، فنذهب مع السارد في مسار جديد.

في أعوام المجاعة، وبعد أن يكون «أوخيّد» قد أصبح أباً لطفل «ثمرة العلاقة الأبيقورية مع الأنثى»، ولا يملك من متاع الدنيا غير دابته، لا يجد «أوخيد» مفراً من التخلّي عن «الأبلق»، راهناً إياه عند أحد تجار الصحراء. غير أن الجمل لا ينسى صاحبه، ولا يقبل بالبقاء عند الغير، وتتوالى حالات الهرب للدابة، ويستشعر الذي أخذ الجمل رهناً، عمق العلاقة الخاصة بين «الأبلق» وصاحبه، فيساومه بتطليق زوجته إذا أراد استعادة دابته، وهذا ما كان. وتدور الأيام بعد أن تكون الزوجة المسكينة قد أُخذت لتزويجها من التاجر الصحراوي، ويشيع في الصحراء أن «أوخيّد» تخلّى عن زوجته مقابل حفنة من الذهب، فلا يجد المخطوف بعشقه الأزلي لأبلقه سوى طريقة وحيدة للتخلص من العار: قتل التاجر.

تالياً يُطارد «أوخيّد» (القاتل) من قبل المتلهفين للأخذ بثأر قتيلهم، والباحثين حقيقة عن وراثة الذهب، ولا يتمكنون منه، بل من «الأبلق». حينها يقررون تعذيب الجمل حتى يسلم «أوخيّد» نفسه ذليلاً صاغراً، ثم يقتلونه كوسيلة وحيدة لوراثة ذهب التاجر المقتول.

خارج النسق الحكائي الذي قدمته هنا باختصار مُخل، نقرأ في الرواية كامل المنظومة السردية المركبة لإبراهيم الكوني، تلك المنظومة التي تخوض غمار الواقعية السحرية المدهشة، وتستخدم أنساقاً بنائية مفتوحة كالصحراء، تتمايل مع تمايلات الآكام والهضاب، وتنحدر بالقارئ إلى السهول المنبسطة، وتقوم بتشفير المعاني، استئناسا بالأقوال وترسيخاً لعبرة الأيام.

تلك المنظومة جعلت من سرد «الكوني» مُتميزاً، مُغايراً، ومُترعا بالخيال حد الاحتياط.

في رواية «التبر» يتوازى التبر والتراب؛ ذلك أن حفنة الذهب الذي قدّم لـ«أوخيّد» تمتزج بدماء التاجر المقتول، فيما يلهث اللاهثون وراء التّبر وهم لا يعرفون إلى أين سيصلون بالذهب أو يصل