العدد التاسع - شتاء 2009م

   
 

دراسات

 قراءة الخطاب الشعري في اليمن الآن
مستوياتها، وآلياتها (لقراءة المقال بصيغة أكروبات)

د. فاضل أحمد القعود
أستاذ الأدب والنقد المساعد بكلية التربية - جامعة صنعاء.

(1)

أعترف، بدءًا، أن هذا البحث لم يهدف إلى إعطاء صورة متكاملة عن واقع قراءة الشعر في اليمن الآن، وإنما صورة تعريفية بانورامية، تمثيلية لا تفصيلية، من خلال الوقوف على أهم مستويين تشغلهما هذه القراءة؛ وأعني بهما:

- المستوى الأكاديمي/ الجامعي.

- المستوى الصحافي/ الإعلامي.

وقد اعتمد البحث، في سبيل الكشف عن واقع هذا الخطاب/ الفعل النقد، سواء من حيث تصوراته وأيديولوجياته، أم من حيث إجراءاته وآلياته، اعتمد -إجرائيا- على المقاربة الوصفية، تساوقاً مع طبيعة ممارسته؛ أي: «نقد النقد»؛ لكن باستخدام أداة الوصف المحايدة، على حد تعبير الناقد حميد الحمداني(1).

غير أن هذا الوصف الذي مارسه الباحث في قراءته للقراءة، أو نقده للنقد، لم يقف عند مجرد «الوصف»، بما هو مفهوم بسيط ومسطّح، وإنما بما هو مفهوم يرتكز على القراءة التحليلية الأبستمولوجية، التي ترتكز على التحليل، والتعليل، والتأويل وفق ضوابط منهجية واضحة تحدد مسارات هذه القراءة وحدودها وآفاقها.

(2)

وجدير بالذكر أن ثمة سؤالاً قد يطرح: لماذا قراءة الخطاب الشعري؟ ولماذا في اليمن تحديداً؟ وأجيب: أما لماذا قراءة الخطاب الشعري؛ فتجاوباً مع أحد محاور ملتقى القاهرة الدولي للشعر، صاحب الدعوة. وأما لماذا في اليمن تحديداً؛ فلسببين: الأول: شعور الباحث بأن اليمن غدا -فيما يبدو- من أقداره في الماضي، وربما في الحاضر أيضاً، أن يناله التغييب والتهميش والتجاهل. ولعلّ أستاذنا الدكتور عبد العزيز المقالح أول من أدرك هذا الأمر المرّ، منذ فترة مبكرة، عندما قال: «ظل اليمن في منطقة الظل سياسياً وأدبياً، حتى عندما كانت تنشأ في أرضه نهضة فكرية، كما حدث خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ ومع ذلك بقي على هامش الثقافة العربية»(2).

هذا برغم أن العالم قد أصبح، كما يقال، قرية صغيرة، بفضل الثورة الهائلة في وسائل الاتصالات والمعلوماتية ووسائط المعرفة المختلفة، التي تجتاح العالم برمته.

أما السبب الثاني، فليقين الباحث بأن ثمة ما يمكن أن يقال، وربما يدهش، فيما يتعلق بموضوع النقد في اليمن، وبخاصة في هذه الآونة.

(3)

النقد الأدبي الحديث في اليمن...

في التكوين والبدايات

لعل من المفيد، وقبل أن نتحدث عن القراءة أو النقد في اليمن الآن، ممثلاً بنقد الشعر، أن نعطي تصوراً، أو لنقل تنويراً مقتضباً عن بدايات هذا النقد في العصر الحديث ومراحل تكونه ونموِّه؛ فنقول باختصار شديد: إن حركة هذا النقد كانت متأخِّرة بالقياس إلى أخواتها من الحركات التي انتظمت الأقطار العربية الأخرى، لاسيما أقطار المركز (مصر، سورية، العراق، لبنان). وهذا التأخُّر -بالأساس- راجع إلى تأخر ظهور مرحلة الإحياء والبعث في اليمن، والتي حددها زمنياً الدكتور عبد العزيز المقالح بأواخر الثلاثينيات من القرن العشرين؛ إذ إنها -فيما يرى- تمثل البداية الحقيقية للنهضة الأدبية والفكرية في اليمن(3).

وهذه المرحلة بدورها، فيما نحسب، ما كان لها أن تتأخَّر لولا الظروف الموضوعية الخطيرة التي كانت تحياها اليمن آنذاك، وأعني بذلك: الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السيئة؛ فهذه الظروف كانت تحدق باليمن من كل جانب، ناهيك بالظرف الجغرافي؛ أي: بُعْد اليمن عن المركز. ولعل الدكتور عز الدين إسماعيل كان موفقاً كلّ التوفيق عندما حدَّد صانعي هذه الظروف بقوله الحاسم: «لقد ظلت اليمن خاضعة من أوائل القرن العشرين لحكم رجعي مغلق في قسمها الشمالي، وحكم استعماري بغيض في قسمها الجنوبي. وقد امتد هذا الحكم في الشمال إلى سنة 1962. وطوال عهد هذا الحكم كانت اليمن خارج التاريخ تماماً، ولن أبالغ كثيراً إذا قلت: بل خارج الجغرافيا كذلك، أعني خارج الزمان والمكان»(4).

على أننا نقول، للإنصاف: إن هذا الواقع المرَّ ربما يصدق على شمال الوطن أكثر منه على جنوبه، وبالتحديد عدن؛ لكن، مع ذلك فإن حركة النقد الأدبي، وهي مناط عنايتنا هنا، وكما يقول الحكيمي: «لم تتشكَّل كحقيقة ملموسة في عدن إلا مع نهاية الأربعينيات»(5).

وعلى أية حال، فإنه ما كان لهذه الحركة في اليمن كلِّه، بل والحياة الثقافية بصورة عامة، أن تتخلَّق لولا حاضنات كانت بمثابة الأرحام لها، تمثَّلت في مجلة «الحكمة اليمانية»، وصحيفة «البريد الأدبي» الخطية في شمال اليمن، ناهيك بصحيفة «فتاة الجزيرة» التي أصدرها محمد علي لقمان في جنوب الوطن.

فمن خلال هذه الإصدارات/ الحاضنات، أخذ الأدباء والمثقفون ينشرون نتاجاتهم الأدبية والنقدية، وملاحظاتهم حول الأدب، وأشعار القدماء، بل لقد غدت -في أحايين كثيرة- صفحات هذه الحاضنات ساحة لمعارك نقدية، من نحو ما جرى حول شعر شوقي والمتنبي وأيهما أفضل، بين كل من: زيد الموشكي، وعلي الديلمي، فضلاً عن معركة أخرى بين الرواد حول القديم والجديد. كما ظهر على صفحاتها أولى محاولة من نوعها في النقد التطبيقي في اليمن، ونعني بذلك تحديداً محاولة الشهيد الشاعر زيد الموشكي على صفحات صحيفة «البريد الأدبي» الخطية التي كانت تُعنى بشؤون الفكر والأدب(6).

وفي الحق، لقد أخذت حركة النقد في النُّموِّ مع ازدهار الصحافة، لاسيما في عدن، وهو ما أدَّى إلى: «تغير أسلوب صياغة الشعر وتناوله، وانتقل النقد الأدبي من الكتابات النهضوية والبحث عن الجديد، إلى الإقرار بالجديد، وبدأ النقد الاجتماعي يأخذ مكانته منذ أواخر الخمسينيات(7)».

ومع كل ما تحقق، فإن ما هو جدير بالملاحظة على هذا النقد: «لأول وهلة: غياب المنهج الواضح فيما يكتب من نقد. لكن غياب المنهج لم يمنع أن يكون بعض النتاج النقدي لهذه الفترة على قدر كبير من الموضوعية، التي هي عماد الإبداع النقدي. كما أن الجدّة واضحة في بعض هذا الإنتاج، وبعض نقادنا كانوا يلتقون في أساليب تفسيرهم الأدبي لبعض النصوص مع زملائهم خارج اليمن، وكانوا مثل هؤلاء يعتمدون الذوق الخاص وسيلة لاستجلاء عالم النص والإحاطة بأبعاده الموضوعية والفنية»(8).

ثم ما إن تنفست اليمن الصُّعداء، بتحقق الثورة اليمنية الأم في شمال الوطن عام 1962، حتى ألفينا زيد الوزير يطالعنا، في العام 1964، بأول كتاب نقدي وسمه بـ»دراسات في الشعر اليمني القديم والحديث». ثم تلاه في العام 1965 كتاب أحمد الشامي الموسوم بـ»قصة الأدب في اليمن». ومضت حركة النقد في اليمن في نموها، الذي شهد تعاظماً ملحوظاً منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، حيث تشكَّل تيار نقدي، سواء من خلال منابر المجلات، مثل: «الحكمة»، و»الثقافة الجديدة»، و»الكلمة» أم منابر الجرائد، مثل: «الثورة»، «14 اكتوبر»، و»الثوري»؛ هذا على الرغم من أن تلك المتابعات النقدية التي كانت تطل بين آونة وأخرى عبر هذه المنابر كانت رؤاها التحليلية مصبوغة بمنحى الانطباعات التأثيرية العجولة والتهميش الصحفي العابر؛ إلا أن هذه الطفرات النقدية مثلت ومضات بارقة في مسيرة النقد الأدبي اليمني، في مقابل السكون المرير على خناق الكثير من المبدعات الأدبية(9).

ثم استمرت حركة النقد في النموِّ في السبعينيات من القرن الماضي، حتى إن هذه المرحلة -حسب تعبير البردوني- مثلت بداية مفترق جديد لفن وثقافة جديدة الروح والسمات(10)؛ فقد شهدت هذه الفترة بالفعل ظهور أكثر من دراسة نقدية، منها ما هو ذو طابع أكاديمي، كدراسة الدكتور عز الدين إسماعيل الموسومة بـ»الشعر المعاصر في اليمن: الرؤية والفن»، ودراسة الدكتور عبد العزيز المقالح الموسومة بـ»الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن»؛ ومنها ما هو ذو طابع غير أكاديمي، ككتاب «رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه» للأستاذ الشاعر عبد الله البردوني.

وهنا يمكن القول بأن هذه الفترة (السبعينيات) بما انطوت عليه من إنجازات نقدية ناضجة، قد شكلت أرضاً صلبة لانطلاقة حقيقية للحركة النقدية اليمنية، تجلت ثمارها على نحو واضح في فترة الثمانينيات والتسعينيات وإلى الآن، حتى ليكمن القول بأن هذه الحركة النقدية قد شهدت في التسعينيات، وإلى الآن، قفزات يمكن وصفها بالنوعية، لاسيما بعد تحقق الوحدة اليمنية المباركة، التي شهدت بعدها اليمن برمَّتها، نهضة تنموية واسعة، كان من نتاجها هذا الكم اللافت من الجامعات، وهذا الكم الهائل من المجلات والصحف الرسمية وغير الرسمية، التي تمتعت بقدر لا ينكر من الحرية، ناهيك بالانفتاح على العالم، وبالاستقرار السياسي النسبي الواضح، كل أولئك قد أسهم
-
على نحو من الأنحاء- في ازدهار حركة النقد في اليمن(11)، سواء كان ذلك على المستوى الأكاديمي، أم المستوى الصحافي، اللذين سنحاول الوقوف على نشاطهما في هذا البحث. ولعل مما يعزز وجهة نظرنا هذه من ازدهار للنقد والأدب عموماً في بلادنا ما استنتجه الدكتور عبد العزيز المقالح من رأي نابع من معرفة محيطة ومعمقة في آن بالواقع الثقافي في اليمن عموماً، والأدب منه خصوصاً؛ حيث قال: «أزعم بل أجزم أن الإبداع في بلادنا يمر في هذه المرحلة بما يشبه الطفرة، لاسيما من قبل المبدعين الشباب الذين يكتبون الشعر والقصة القصيرة والرواية، وحتى الذين يمارسون النقد الأدبي، والأكاديميين منهم بخاصة»(12).

(4)

والآن فلنتوجه إلى صلب بحثنا، بادئين بـ:

أولاً: النقد الأكاديمي/ القراءة الأكاديمية:

نستطيع القول: إن النقد الأكاديمي يمثّل حلقة مهمة في سلسة النقد العلمي. وإنه ليتجلّى في تلكم الأبحاث والدراسات الجامعية النقدية، التي تقوم على طرائق منهجية محددة وصارمة عند قراءة الخطاب الأدبي وتحليله وتأويله. وإن من أهم خصائص هذا النقد/ القراءة: الموضوعية، المنهجية، والعلمية.

غير أنه -وبالرغم من تمتعه بهذه الخصائص المهمة- لم يسلم من المآخذ والانتقادات؛ ولعل أبرز مأخذ: وصف هذا النقد بـ»الثبات» و»عدم التجاوز»، الأمر الذي أوقعه في شرك «التقليدية»، بما فيها من محافظة واتباعية. وإن هذا ليبدو أشدّ وضوحاً في الدراسات والأبحاث الجامعية العربية التي تغصُّ بها مكتباتنا الجامعية وغيرها؛ إذ يلاحظ على نسبة ليست بالقليلة منها، تعويلها، موضوعياً ومنهجياً، على الظواهر الأدبية المستقرة، متلفعة بثياب التكرار والاستنساخ إذا صح التعبير؛ هذا في مقابل افتقارها، أو لنقل افتقار أصحابها ومنجزيها، لروح المغامرة والجرأة في تناول الظواهر الحديثة، والخروج على مواصفات المنهج المستقرة وآلياته المقننة التقليدية الساكنة(13).

إن من يتأمل النـزعة الأكاديمية العربية في إطار الدراسات الأدبية والنقدية يجدها - مع الأسف: «تتمترس وراء الدراسات الثيماتيكية الموضوعية، وتفحص الأغراض والموضوعات في الشعر خاصة، وكذلك تقتصر الدراسات الفنية على الأساليب التقليدية والخصائص الفنية المعروفة»(14).

ومع هذا، فإن ثمة أبحاثاً ودراساتٍ أكاديمية، لا بأس بها، قد حاولت الخروج على هذه الطبيعة الأكاديمية واشتراطاتها الصارمة، لتنفتح على آفاق رحبة من المناهج والاتجاهات النقدية الحديثة، وكشوفاتها الباهرة. وللحق فإن هذا النوع من الدراسات هو مناط عنايتنا في هذا البحث فيما يخص الحالة الأكاديمية اليمنية.

وقبل البدء ينبغي أن ننبه إلى أمرين:

الأول: إن وقوفنا سيتمحور حول النقد الأكاديمي للشعر فقط في اليمن الآن.

الثاني: إن هذا الوقوف سيقتصر، حصراً، على القراءات النقدية المارقة (بالمعنى الإيجابي) من النسق الأكاديمي التقليدي الدوغمائي نحو آفاق الحداثة وفتوحاتها المنهجية المشتهاة. هذا من جهة، كما أن الضوء سيسلط -بدرجة أساسية- على الناقد الأبرز في إطار كل قراءة، مع الاكتفاء بالإشارة الخاطفة إلى نقاد آخرين يمكن أن يدرجوا في فضاء هذه القراءة أو تلك. وإن من أبرز هذه القراءات -فيما صح للباحث- الآتي:

أولاً: القراءة المفتوحة (الحرة):

وقد أسميناها كذلك لاعتبارين: الأول: إن أصحابها لا يدَّعون عند شروعهم في ممارسة العملية النقدية، أو أثناءها، اتّباع منهج بعينه.

أما الاعتبار الثاني فيرجع إلى أن هؤلاء النقّاد، أو بالأحرى القرّاء، وهم يمارسون قراءتهم للنصوص، كاشفين عن أسرارها، مجترحين أجسادها وأرواحها، لا ينفتحون على القيم الجمالية والفنية وحدها، بل ينفتحون -أيضاً- على القيم الفكرية، حتى لكأنهم يبدون بهذا المسلك أقرب إلى نقّاد الاتجاه التكاملي، الذين يوازنون في تحليلاتهم «بين التقييم الجمالي لأي نص أدبي والتقييم الفكري، من حيث كونِ النصِّ أداة معرفية، تؤكدها علاقة الفن القوية بالمجتمع»(15).

بيد أننا ننفي عنهم التكاملية؛ لسبب بسيط، وهو أن سبيل الوصول إلى هذا المنهج التكاملي يبدو سبيلاً مثالياً؛ كيف لا، وعمر الإنسان -مهما طال- قصير، وفروع العلوم الإنسانية ومناهجها وأبحاثها تتسع وتتلاحق، والناقد مهما خصص من وقته للقراءة والاطلاع لن يستطيع متابعة ما يصدر من كتب هذه العلوم ومناهجها وتطوراتها(16).

ثم إن هؤلاء النقّاد، إمعاناً في الانفتاح وتأكيداً له، يتخيّرون من هذا المنهج أو ذاك ما يرونه مناسباً وخادماً لعمليتهم القرائية، وفوق هذا وذاك نراهم يمارسون فعلهم النقدي في أفق لا يخلو من الانطباعية والتأثرية، وهذا دليل آخر على القراءة المفتوحة التي يتبعونها. على أن التحرك في هذا الأفق -فيما نتصور- ليس عيباً على الإطلاق، كما قد يتوهم البعض، بل العيب كل العيب تغييب أمر كهذا من فضاء النشاط الأدبي، أو الفن عموماً، ويكفي أن نستدل برأي (لانسون) قطب النقد الموضوعي في فرنسا، في هذا الشأن، حيث يقول: «إذا كان النص الأدبي يختلف عن الوثيقة التاريخية بما يثير لدينا من استجابات فنية وعاطفية، فإنه يكون من الغرابة والتناقض أن ندل على هذا الفارق في تعريف الأدب، ثم لا نحسب له حساباً في المنهج النقدي. لن نعرف قط نبيذاً بتحليله تحليلاً كيماوياً أو بتقرير الخبراء دون أن نذوقه بأنفسنا. وكذلك الأمر في الأدب، فلا يمكن أن يحل شيء محل (التذوق(17). وها هو أحد النقاد العرب البارزين يعزز هذا الرأي بالدعوة إلى تحكيم الذوق في النقد، بقوله إن «مثل هذا اللون من النقد ينبغي أن يجد طريقه إلى النقد المعاصر؛ لأنه يصدر عن ذوق رفيع، وحس لغوي مرهف، وثقافة واسعة، وهو نقد يحفظ للنص روعته، ويدفع القارئ إلى متابعته، ويشجعه على الرجوع إليه ليستمتع به، ويجد لذة لا يجدها في نقد يتخذ من الأسباب ما تأباه طبيعة الأدب الرفيع»(18).

وعلى أية حال، فإن أبرز نقاد هذه القراءة المفتوحة، هو الدكتور عبد العزيز المقالح، بل رائدها؛ إذ ألفيناه، في ضوء متابعة دقيقة لمعظم نتاجه النقدي، وبخاصة النقد المسلّط على الشعر، والذي يمثِّل -في حقيقة الأمر- نصيب الأسد من نقده الكلِّي(19)، أقول: ألفيناه يقتحم هذا النص الشعري أو ذاك، أو هذا الديوان الشعري أو ذاك، متسلّحاً بمنهج سمته الساطعة: المرونة في الرؤية والتحليل والقراءة، حتى ليبدو صاحب منهج مفتوح بامتياز، إلى درجة تجعل هذا المنهج يتراءى عصياً على التأطير والقولبة أو التصنيف في أي تيار، إلا إذا كان تيار القراءة المفتوحة كما نعتقد.

والحق أن بإمكاننا إرجاع هذه السمة المهيمنة على منهج المقالح في القراءة النقدية، أي: سمة المرونة في الرؤية والتحليل، أو لنقل سمة الانفتاح بصفة عامة، إلى إيمان المقالح:

< أولاً: بالحداثة، بما هي خروج وانفتاح وتحرر من كل القيود والقوانين التي تحول دون الخلق والإبداع والتجديد والتجريد. زد على ذلك كونه رائد الحداثة الأول في اليمن.

< ثانياً: بأن لكل نص أدبي طبيعته أو كينونته الخاصة، التي تحتم على الناقد آلية دون أخرى عند عملية القراءة والنظر والتحليل.

< ثالثاً: بأن الشعر والفن بعامة مرتبط بالإنسان وبالحياة، بل إن قيمة الفن الحقيقي في رأي المقالح «تكمن... في احتفاظه بجوهرية الموقف الإنساني الخالد ورؤيته للكون، وحضوره إزاء الواقع بكافّة ظواهره»(20).

هذا بالإضافة إلى سببين آخرين: الأول: تأثر المقالح الواضح بجيل الرواد أمثال طه حسين والعقاد، والثاني: طبيعة موقع المقالح نفسه بوصفه رائداً وقائداً معنوياً ذا رسالة كبرى، ولا أدل من أنك تقرأ نقده فتطالعك القضايا الوطنية والقومية والأدبية والفكرية من بين ثناياه، فكأنما هي جزء حيوي من هذا الجسد، أعني جسد مشروعه النقدي؛ لكن حضور مثل هذه القضايا ليس هو ذلك الحضور الاعتباطي أو المجاني، وإنما هو الحضور المبرّر والمعلّل والمشروع، المستمد شرعيته من جوهر النص المنقود وصميميته؛ أي: النص مدار القراءة المقالحية. وهنا يتأكد لنا ما ذهب إليه أحمد عبد المعطي حجازي من أن المقالح ناقد ملتزم بقضايا وطنه وأمته وعصره، وهو في التزامه هذا مزيج حساس من الشاعرية والفكر(21).

وعلى كلٍّ، فإن في وسعنا تبين «منهج القراءة المفتوحة» لدى المقالح -عملياً- من خلال الوقوف السريع -نظراً لمساحة بحثنا الضيقة- على شيء مما تضمنه كتاباه النقديان الأخيران. أما الأول فالموسوم بـ»ثلاثيات نقدية». وأما الثاني فموسوم بـ»نقوش مأربية - دراسات في الإبداع والنقد الأدبي». وفي الأول نجد الناقد يوجِّهُ قراءته صوب الشعر، والشعر الحديث تحديداً، وعلى نحو مباشر في الفصول: (1)، (3)، و(4)؛ في حين أفرد الفصل (2) لما يسمّى بـ»نقد النقد»، وهو يدور حول: «الشعراء النقاد - تأملات في التجارب النقدية للشعراء: صلاح عبد الصبور، أدونيس، وكمال أبو ديب». الشيء الذي يمكن معه القول: إن الكتاب -بجملته- يكاد يتمحور حول نقد الشعر، على نحو أو آخر. ولا غرابة، فالفنُّ الشعريُّ «في ميدان النقد يستقطب اهتمام المقالح حتى يوشك أن يكون المركز والمنطلق»(22).

وإذا ما تأملنا عناوين الفصول المنذورة للشعر، صحَّ لنا توزُّع جهد المقالح النقدي بين الوقوف على قضايا ومفاهيم للشعر الجديد من خلال شعراء بأعيانهم، وهو ما انعكس في الفصل الأول: «الأصوات الثلاثة في الشعر العربي المعاصر»، أو الوقوف على ظواهر جمالية كشعرية اللون في الفصل الثالث وشعرية الوخز بالكلمات في الفصل(4). ونظراً لضيق هذا البحث سنحاول أن نستجلي شيئاً من آليات القراءة المقالحية وإجراءاتها، كيما تكون دليلاً فعلياً على طبيعتها المفتوحة التي افترضناها وارتضيناها في آن. وسنكتفي من الفصل الأول بالوقوف على مدخله، علاوة على (الصوت الغنائي) المتضمّن فيه.

والواقع أن أول ملحظ على انفتاح القراءة المقالحية يتجلّى في حرصه -غالباً- قبل مباشرة الفعل القرائي، لا في هذه القراءة فحسب وإنما في كل قراءاته تقريباً، على البدء بمدخل تنظيري غايته فيما يبدو التنوير والإضاءة لهذه القراءة أو تلك أو الكشف عن قضية نقدية أو فكرية تشغله وتتصل -على نحو من الأنحاء- بالنص المنقود. وإن هذا لواضح في الفصل الأول من ثلاثياته النقدية، موضوع قراءتنا، حيث وجدناه يصدّر الفصل بمدخل تنظيري طويل نسبياً، تغيَّا من ورائه -فيما يبدو- الكشف عن مفهومه للأصوات الثلاثة، نافياً، منذ البدء، أن تكون هي الأصوات التي عناها إليوت في مقالته الشهيرة: «الأصوات الثلاثة في الشعر»؛ فهذه الأصوات عند المقالح ما هي إلا «تعبير عن ثلاثة مستويات في الشعر العربي المعاصر نجحت في تمثيل الرؤية والحساسيات الشعرية الجديدة»(23). وقد تجلت في الأصوات: الغنائي، الفكري، والتجريبي. ثم إنها -عنده- ليست إلا انعكاساً لمواقف الشعراء من اللغة، ومن طريقة استعمالها، فليس الخلاف في الأشكال والقوالب، ولا في القضايا أو المواقف الإنسانية، وإنما هو ماثل في اللغة، بوصفها الأداة أو المنطلق الأول في الإبداع(24).

ومن هنا يمكن أن نستشف مسألة في غاية الأهمية، ونحن نتحدث عن آليات المقالح الناقد في قراءة النص الشعري القائمة على القراءة المفتوحة، ألا وهي مسألة اعتداده باللغة، واعتباره الشعر تشكيلاً لغوياً في المقام الأول، الأمر الذي يدل على إفادته الواضحة من رؤى وطروحات النقد اللساني، وبالطبع، تأثره بالتراث العربي، أو الدرس العربي القديم، الذي جعل اهتمامه منصباً على جسد النص (لغته) بعيداً عن العوامل المحيطة به(25)، ولا أدل على ذلك -أيضاً- من خروجه بثلاثة مستويات لغوية تقابل الأصوات الثلاثة، تمثلت في: اللغة الغنائية، اللغة الاعتيادية، واللغة الأسطورية(26).

ومن دلائل هذه القراءة المفتوحة -أيضاً- توقفه المطول على الساحة الشعرية، وما يحتدم فيها بين دعاة الاقتحام ودعاة الاجترار، متطرقاً أثناء ذلك إلى الحداثة ومصطلحاتها، وأعلامها وآفاقها في الوطن العربي، ناهيك بوقوفه عند فكرة جدّ مهمة، وهي فكرة: «الثنائيات» التي تلف الحياة الثقافية والفكرية العربية، وتحيط بها من الجهات الأربع، وهي ثنائيات: الفعل والكلمة، الشرق والغرب، الخَلَف والسَّلَف، الموضوعي والخيالي، الثقافي والسياسي، والرواد والتابعين(27)...

والحق أن الذي بدا لنا -هنا- هو رفض الناقد المقالح مطلقاً لهذه الفكرة؛ كيف لا، وهذه المهيمنات -حسب الدكتور الصكر- ترد حصراً وقسراً لتؤطر الرؤى والمواقف والاختيارات؟ ومن ثم، فإن المقالح -كما يرى الصكر- قد استبدل بهذه الثنائيات نسقاً ثلاثياً يهيمن على وعيه وخطابه في الشعر والنقد معاً(28).

وبعد أن خلص الناقد المقالح من مدخله، نراه يشرع في الجانب التطبيقي والتحليلي، بادئاً بـ»الصوت الغنائي» الذي أبرز شعرائه: نازك الملائكة، حجازي، درويش، ومحمد علي شمس الدين؛ واقفاً في الوقت نفسه على مصطلح «الغنائية»، رائياً أن المصطلح العربي الذي يقابله هو «الإنشاد» الذي ربط الشعر بالغناء. ومن هنا فهذا المصطلح
-
لدى المقالح- مرتبط بالبنية الإيقاعية أو الجانب الصوتي في القصيدة(29). ثم يحرص الناقد على الإتيان بنماذج شعرية محلِّلاً ومعلِّلاً. غير أن الأمر الواضح في ذلك التحليل هو تركيزه الشديد على الأسلوب والمعمار والتحولات عند هذا الشاعر أو ذاك، مولياً القافية عناية خاصة. ومن النتائج المهمة التي انتهى إليها: أن «شعراء هذا الصوت، ومنهم أحمد حجازي، قد حافظوا على الكثافة الغنائية في قصائدهم إلى درجة متميزة، وكان حرصهم على القافية نابعاً من حرصهم على التجربة الغنائية، حتى لا تكاد تتشابه بداياتهم بآخر كتاباتهم»(30).

ويمثل لذلك بـ»ثلاث أغنيات للحرب» لحجازي. ثم يمضي الناقد في قراءته ليتأمل غنائية درويش، واصفاً إياها بالغنائية الفائقة الصوت المتوهج، والأكثر نضجاً في التعبير عن حالة الرفض للوجود الغريب، والتعبير الأكثر مواكبة للتجربة الشعرية المعاصرة؛ منتهياً إلى وصف صاحبها بالوفاء لتقاليد شعر المقاومة، أو «شعر الصرخة العالية»، كما يسميه(31). ولا ينفكُّ الناقد يكشف عن غنائية درويش، مستشهداً بالنماذج الشعرية، ومتطرقاً في الوقت نفسه إلى الحديث عن تجربة الشاعر، ذاهباً إلى أن درويش قد رحل شرقاً وغرباً في إبداعه، وتمكن في ضوء تلك الرحلات، ومن خلال انهماكه الإبداعي، من المراجعة المستمرة لتجربته الشعرية وتطويرها، إلا أنه لم يقبل التخلي عن غنائيته العالية... ثم يستطرد الناقد في حديثه مشيراً إلى بيان درويش المشهور: «أنقذونا من هذا الشعر»، مستشهداً بشيء مما ورد فيه(32). وهنا نلحظ -وبما لا يدع مجالاً للشك- خروج القراءة المقالحية وانفتاحيتها إلى فضاءات أرحب في سبيل تدعيم مسارات القراءة النقدية ورؤاها.

وهكذا يمضي الناقد عاقداً المقارنات بين درويش وسعدي يوسف، خالصاً إلى نتائج مؤسّسة على التحليل والتعليل، منها أن شعراء الصوت الغنائي يمتلكون خصائص موهبة موسيقية لا سبيل إلى الشك فيها، والموسيقى أو الغنائية في شعرهم جزء مهم من التركيب الداخلي للقصيدة(33).

(5)

ولئن بدت قراءة الدكتور المقالــــح السابقــــة  -والمفتوحة بطبيعتها- متمحورةً حول «قصيدة التفعيلة»؛ فإنه في هذا النص، الذي سنقف عليه بعد حين، يصوبها نحو «قصيدة النثر»، وهو ما يمكن أن يُتّخذ دليلاً على طبيعة منهجه من حيث كونه منهجاً يتأسس على القراءة المفتوحة، حتى على مستوى الشكل الشعري.

وإذا ما ولّينا وجوهنا شطر القراءة المقالحية الموسومة بـ»قراءة في قصيدة: قبر من أجل نيويورك» لأدونيس، والمتضمنة في كتابه النقدي «نقوش مأربية»، بهدف قراءتها تعزيزاً لما ارتأينا قبلاً، ألا وهو هيمنة الطبيعة المفتوحة على قراءات المقالح ونقوده؛ وبنظرة أولى إلى قراءته للقصيدة نجد أن أول إجراء نهض به تجلى في توقفه طويلاً عند الشاعر أدونيس، انطلاقاً من إيمانه «بأهمية العلاقة بين النص ومبدعه، ومن ارتباط النص بواقع هذا المبدع»(34).

ذلك أن هذا الناقد -وكما يصرح في صدر حديثه عن أدونيس- ليس من هؤلاء الذين يبشرون بموت المؤلف (يعني: البنيويين)، كخطوة أولى نحو التبشير بموت القارئ(35).

وهنا يبدو الناقد وكأنما هو واحد من أصحاب المناهج ذات البعد الذاتي (أو الميول الرومانتيكية)، التي تتميز بتركيزها على علاقة الأدب بمبدعه، معتبرة الأدب من حيث الطبيعة نتاجاً فردياً يعبر عما يصطرع في نفس صاحبه من هموم وآلام ومشاكل خاصة، مع التركيز بالطبع أيضاً على سيرة المبدع وسيكيولوجيته. وهذا ربما يشكل مؤشراً أيضاً إلى قراءة الناقد المفتوحة.

يبدأ الناقد حديثه عن أدونيس من زاوية -كما يقول- قد لا تكون مطروقة بوضوح، وهي علاقة الشاعر بخصومه وتلاميذه، وعليه فقد ألفينا الناقد يصطنع عنواناً داخلياً موضوعياً وسمه بـ»أدونيس الخصم الجميل»، ساعياً من خلاله وبحشد من الأدلة، إلى محاولة إثبات أن أدونيس لم يكن إلا الخصم النبيل، رغم أن زمننا الراهن هو زمن الخصومات الفاجرة بامتياز. ومن أدلته على سمو أدونيس في خصومته الجميلة أنه صاحب التعبير الأرقى: «الضد الجميل»(36). ويمضي الناقد في الحديث عن أدونيس ورقيه في الخصومة، وعن شاعريته، فهو شاعر مُخْتَلِفٌ ومُخْتَلَفٌ عليه، ذاهباً في التفسير مذاهب يتضح فيها -وبما لا يدع مجالاً للشك- انتصاره لأدونيس، لكن وفق منطق محايد لا تخطئه العين ولا القلب. ومن الإنصاف القول بأن الناقد -أثناء هذا الحديث- كان إيجابياً بامتياز، حيث منحنا معرفة أدبية ونقدية مركزة حول كثير من المفاهيم والقضايا، لاسيما ووقفته المطولة هذه كانت عند رائد الحداثة العربية الأول (أدونيس). ويكفي فقط أن نشير إلى تطرقه إلى أفكار مهمة لا غنى عنها -فيما نحسب- للمشتغلين بالنقد والأدب عموماً، من نحو: «حتمية التلمذة في الإبداع» و»الأبوة الإبداعية» و»استحالة الكتابة من موقع العدم» و»الذاتية والغيرية»...

وبعد هذه الاستفاضة النقدية، أو لنقل: المهاد/ الإضاءة، ينطلق الناقد في جسد النص/ القصيدة، بادئاً ذلك بعنوان بديل لعنوان القصيدة الأصلي، وهو: «قبر من أجل الهيمنة والعنصرية»، وكأني بالمقالح بهذا الفعل الإجرائي قد أراد منح المتلقي الدلالة الأم للنص. وليس من شك في أنها التفاتة ذكية من الناقد؛ فالعنوان يمثل عتبة النص الأولى؛ كيف لا، وهو: «يتضمن العمل الأدبي بأكمله، مثلما يستتبع هذا الأخير ويتضمن العنوان أيضاً»(37). ثم ها نحن أولاء نرى الناقد يعمد إلى تعميق هذه الدلالة بالنص عليها صراحة ومنذ الأسطر الأولى، إذ يقول: « القبر الذي تنبأ به أدونيس لعاصمة المال والقوة (نيويورك) في مطلع السبعينيات، لم يكن يخص بنيتها الخارجية: المنازل والشوارع والحدائق، ولا الناس، ولا تمثال الحرية، ولا الشاطئ الذي يتجه نحو الشرق؛ ولكنه قبر من أجل البنية العميقة للنظام، ولطريقة التعامل مع البشر، مع ناسها أولاً، ثم الناس المرتبطين بها، أو الذين تعمل على أن تربطهم بها، سواء أكانوا بالقرب منها أم على بعد»(38). وبالنظر إلى هذه الالتفاتة النقدية الذكية، هل لنا أن نقول: إن المقالح منفتح على معطيات الدراسات السيميائية ومقولاتها؟ ويستمرُّ الناقد في تحليل المحتوى والشكل معاً، داعماً المحتوى بالشكل، والشكل بالمحتوى، إذا صح التعبير. وهنا نشعر بأنه يؤمن بما يؤمن به ناقدٌ آخر: «ينبغي أن نتخذ العلاقات اللغوية، والرموز، وأساليب التصوير، والإيقاع الخاص، سبيلنا إلى الكشف عن المعنى الشعري للشعر، ولا نبدأ بفكرة مجردة من الدماغ نحاول البحث عنها. ونحن إذا تأملنا الأمر جيداً، أدركنا أن المعنى الشعري ليس سوى الشكل، كما أن الشكل ليس سوى المعنى الشعري»(39).

ويحرص الناقد المقالح في عمليته القرائية على التوقف عند الإيقاع (أعني: إيقاع قصيدة النثر الداخلي)، مبدياً تعاطفاً واضحاً مع هذا الإيقاع. ثم نراه، بعد ذلك، يعود إلى تحليل المحتوى الداخلي للقصيدة؛ المحتوى: الرؤية والموقف لدى الذات الأدونيسية حيال نيويورك. وأثناء هذا التحليل استطاع الناقد -بمقدرة باهرة تأتت من لغته التحليلية الأدبية العالية- أن يدمجنا كمتلقين بالنص وعوالمه، وبينما نحن في حالة من النشوة المشتهاة، إذ به ينعطف بنا، مستغلاً هذه النشوة ليدفع عن أدونيس تهمة الغموض التي طالما وُصم بها(40).

ولا يني الناقد يواصل قراءته التحليلية، ليتوقف -أيضاً- عند لغة القصيدة، واصفاً إياها بتعابير لا تخلو من قدر من الانطباعية والتأثرية، من نحو قوله: «... في لغة ساخنة ملهبة»، و»أسلوب متألق، لغة تغري بالقراءة وبالغوص في أعماق المعنى...»(41).

وأخيراً يصل الناقد بعد رحلته القرائية الطويلة ليصدر حكمه النهائي في النص عموماً: معنى ومبنى؛ حكمه القائم على التعليل الذي سبق، وإن أسس له خلال هذه القراءة الممتدة، حيث يقول: «إن هذا النص الشعري البديع جدير بالقراءة، وبخاصة الآن أكثر من أي وقت مضى؛ لا لأنه يستفز القارئ ويأخذه من حياته الفارغة وحسب، وإنما لأنه نص يضيء -فكرياً وشعرياً- ما كان وما هو كائن، ويؤكد أن الشاعر هو الرائي الحقيقي، لا السياسي ولا المفكر الاجتماعي والفلسفي. إن الشاعر يمتلك رؤية... تتجاوز المناطق المعلومة من حياة الناس والمدن والأشياء... قبر من أجل نيويورك عمل شعري جميل ومثير، يجمع الواقع ونقيضه، ليس غامضاً، ولا واضحاً، تشكل على نحو يواشج بين الواقع وبين الحلم، بين الجمالي وبين الفكري. وهو، كأي عمل إبداعي عظيم، لا يقترب منا إلا بقدر ما نجتهد نحن للاقتراب منه»(42). وبتأمل السطر الأخير يتأكد لنا -فوق ما تقدم- انفتاح القراءة المقالحية على معطيات المناهج النقدية الحديثة؛ أليس الدعوة إلى الاجتهاد في الاقتراب من النص الأدونيسي معطى أساسياً من معطيات نظريات التلقي ذائعة الصيت في هذه الآونة؟

                    

وتأسيساً على ما تقدم، يمكننا القول: إن قراءة الدكتور المقالح تتسم بكونها قراءة مفتوحة على النص المنقود بكل فضاءاته وجمالياته: البنائية والدلالية، كما هي مفتوحة على كل الفضاءات التي تخدم هدفها من خارج هذا النص. ولقد لاحظنا أن الناقد وهو يقرأ النص الشعري يمزج بين التنظير وبين التطبيق أحياناً، وبين المعنى وبين المبنى، وبين المنهجي وبين الانطباعي، وبين داخل النص وبين خارجه؛ وكل تلك يمكن أن تتّخذ دلائل على القراءة المفتوحة التي انتظمت نتاجه النقدي. وفي الحق أن ما يميز القراءة المقالحية -بعد هذا وقبله- لغتها؛ إذ إنها لتبدو لغة أدبية أنيقة من طراز فريد، لغة من أجلى سماتها مجافاة الغموض وركام المصطلحات؛ ولا عجب، فالناقد شاعر قبل كونه ناقداً، ونعتقد جازمين بأنه -كإليوت- قد جمع ملكتي الشعر والنقد، فكان صاحب الصناعتين بامتياز، على حد تعبير أبي هلال العسكري.

                    

وإذا كان المقالح قد مثل -فيما نعتقد- النموذج المثالي لنقاد «القراءة المفتوحة» من بين الأكاديميين، فإن بإمكاننا إدراج آخرين -أيضاً- في الفضاء ذاته، وإنَّ من أبرز هؤلاء: الدكتور أحمد الهمداني، كما يكشف عن ذلك كتاباه: «الزبيري شاعر التغيير في اليمن»(43)، و»دفاعاً عن لطفي جعفر أمان»(44)، ويأتي الدكتور عبد الرحمن إبراهيم ليتحرك (وإن كانت دراسته لا تقع في الإطار الزمني المحدد للبحث) في الفضاء ذاته، كما عكس ذلك كتابه: «الشعر المعاصر في اليمن 1970-1990- دراسة فنية»(45).

ثانياً: القراءة الأسلوبية:

لا حاجة بنا للحديث عن الأسلوبية -ههنا- بما هي منهج نقدي له فلسفته ورؤاه ومواضعاته الخاصة تجاه قراءة النصوص وتحليلها؛ فهذا أمر قد قُتِلَ بحثاً، وأصبح الكلام عنه -في ظننا- ضرباً من العبث، إن لم نقل ضرباً من الثرثرة الفارغة. وإنما الذي يعنينا -هنا- هو الإلماح إلى توظيف هذا المنهج في قراءة النص الشعري في اليمن الآن في نتاج النقاد الأكاديميين، الذين يشكلون نسبة لا بأس بها. غير أنَّا سنشير إلى أبرزهم، بادئين بالدكتور عبد الله البار، الذي يُعدُّ -بحق- إمام هذا المنهج ومؤسسه في اليمن فيما نحسب، بل إلى حد يجعلنا نستطيع معه القول مطمئنين: إن البار يكاد يشكل مدرسة للمنهج الأسلوبي في اليمن. على أن حكمنا هذا ليس جزافياً، وإنما مؤسس على اعتبارات ثلاثة متداخلة، أولها أن الرجل يعدُّ أكثر من اشتغل من الأكاديميين على الأسلوبية، تنظيراً وتطبيقاً، بل وتطويراً، ويكفي فقط تأمل هذا الكم من الكتب والدراسات التي أنجزها في هذا الباب(46). وثانيها أن دراسات البار ذات الطابع الأسلوبي تنماز بكونها غطّت الشعر العربي، قديمه وحديثه على السواء، علاوة على تغطيتها للشعر العامي أيضاً، كدراساته في شعر المحضار والدان الحضرمي. وأما ثالثها فنجاح الدكتور البار في تفريغ عدد كبير من التلامذة المشتغلين بالمنهج الأسلوبي، على نحو لا تخطئه العين.

على أننا لا نجد غرابة؛ فالدكتور