العدد  السادس - شتاء 2008م

   
 

  مختارات
 

شذرات: عمرو بن بحر الجاحظ (لقراءة المقال بصيغة أكروبات)

تعريف الحسد

الحسد -أبقاك الله- داءٌ ينهك الجسد، ويُفسد الودّ، علاجه عسر، وصاحبه ضجِر‏.‏ وهو باب غامضٌ وأمر متعذِّر، وما ظهر منه فلا يداوى، وما بطن منه فمُدَاويهِ في عَناء‏. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏دبَّ إليكم داءُ الأُممِ من قبلِكم‏:‏ الحسدُ والبغضاء‏"‏‏.‏ وقال بعض الناس لجلسائه‏:‏ أيُّ الناس أقلُّ غفلة؟ فقال بعضهم‏:‏ صاحبُ ليلٍ، إنما همُّه أن يُصبح‏.‏ فقال‏:‏ إنه لكذا وليس كذا‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ المسافر، إنما همُّه أن يقطع سفره‏.‏ فقال‏:‏ إنه لكذا وليس كذا‏.‏ فقالوا له‏:‏ فأخبرنا بأقل الناس غفلة‏.‏ فقال‏:‏ الحاسدُ؛ إنما همُّه أن ينزِع الله منك النعمةَ التي أعطاكَهَا فلا يغفُل أبداً‏.‏

الحسود لا يستطيع كتمان حسده

فصل منه: وأنا أقول حقاً‏:‏ ما خالط الحسد قلباً إلاَّ لم يمكنه ضبطه ولا قدر على تسجينه وكتمانه، حتى يتمرد عليه بظهوره وإعلانه، فيستعبده ويستميله، ويستنطقه لظهوره عليه فهو أغلب على صاحبه من السيِّد على عبده، ومن السُّلطان على رعيَّته ومن الرَّجل على زوجتِه ومن الآسر على أسيره‏.‏

معاملة الصديق الحسود

فإذا أحسست -رحمك الله- من صديقك بالحسد فأقلل ما استطعت من مخالطته، فإنَّه أعون الأشياء لك على مسالمته‏.‏ وحصِّن سرك منه تسلم من شره وعوائق ضره‏.‏ وإياك والرغبة في مشاورته، ولا يغرنك خُدعُ مَلَقِه، وبيان ذَلَقِه، فإن ذلك من حبائل نفاقه‏.‏

فإن أردتَ أن تعرف آيةَ مِصداقه فأَدْنِيَنْ إليه من يُهينُك عنده، ويذمك بحضرته، فإنه سيظهر من شأنه لك ما أنت به جاهلٌ، ومن خلاف المودّة ما أنت عنه غافل‏.‏ وهو أَلحُّ في حسده لك من الذُّباب، وأسرع في تهريقك من السيل إلى الحَدُور‏.‏

وما أحِبُّ أن تكون عن حاسِدك غبياً، وعن وهمك بما في ضميره نسِيِّاً؛ إلاَّ أن تكون للذل محتملاً، وعلى الدناءة مشتملاً، ولأخلاق الكرام مجانباً، وعن محمود شيمهم ذاهباً، أو تكون بك إليه حاجة قد صَيَّرَتْك لسهام الرُّماة هدفاً، وعرضَك لمن أراد غَرَضاً‏.‏

حفظ اللسان

وقال القائل‏:‏ احرس أخاك إلاَّ من نفسه‏.‏

وقالوا‏:‏ مقتل المرء بين فكَّيه‏.‏

وكُتب على بعض أبواب الـمُدن بالسِّنْد‏:‏ احفظ رأسَك‏.‏

وقال الأول‏:‏ قد تَصِل النِّصال إلى الإخوان فتُستَخرَج، وأمثالُ النِّصال من القول إذا وصلت إلى القلب لم تُستخرَج أبداً‏.‏

وقال بَهْرام، وسَمِعَ في الليل صوت طائر فتحدَّاه بسهم وهو لا يراه، إلاَّ أنَّه تتبَّع الصوتَ فصرعَه، فلما صار بين يديه قال‏:‏ والطَّير أيضاً لو سكتَ كان خيراً له‏!‏

وقيل‏:‏ ما شيء أحق بطول سَجْنٍ من لسان‏.‏

وقيل‏:‏ يَسْأَلُ اللسانُ الأعضاء في كلِّ يوم فيقول‏:‏ كيف أنتنَّ؟ فيقُلنَ‏:‏ بخيرٍ إن تركتنا‏!‏

ذل رجال السلطان

من لابس السلطانِ بنَفْسِه، وقاربه بخدمته؛ فإنَّ أولئك لباسُهم الذلة، وشعارهم الملق، وقلوبُهم ممـَّن هم لهم خَوَلٌ مملوءَةٌ، قد لبِسها الرُّعب، وألِفَها الذُّلُّ، وصاحبَهَا ترقُّبُ الاحتياج؛ فهم مع هذا في تكديرٍ وتنغيص، خوفاً من سطوة الرئيس وتنكيل الصاحب، وتغيير الدُّول، واعتراض حُلول المحن‏.‏

فإن هي حلت بهم، وكثيراً ما تَحُلّ، فناهِيكَ بهم مَرحُومين يرقُّ لهم الأعداءُ فضلاً عن الأولياءِ‏.‏

الأضواء والألوان

والنار(1) حرٌّ وضياء، ولكلِّ ضياء بياضٌ ونور، وليس لكلِّ بياض نورٌ وضياء. وقد غلط في هذا المقام عالمٌ من المتكلمين.

والضياء ليس بلون، لأن الألوان تتفاسد، وذلك شائعٌ في كلها، وعامٌّ في جميعها؛ فاللبَن والحِبر يتفاسدان، ويتمازجُ(2) التراب اليابس والماء السائل، كما يتمازج الحارُّ والبارد، والحلو والحامض، فصنيع البياض في السواد، كصنيعِ السواد في البياض، والتفاسُدُ الذي يقع بين الخُضْرَةِ والحمرة، فبذلك الوزنِ يقع بين البياض وجميعِ الألوان.

وقد رأينا أن البياضَ مَيّاعٌ(3) مفسِدٌ لسائر الألوان(4). فأنت قد ترى الضياء عَلَى خلافِِ ذلك؛ لأنه إذا سقط عَلَى الألوان المختلفةِ كان عملُه فيها عملاً واحداً، وهو التفصيل(5) بين أجناسها، وتمييزُ(6) بعضها من بعض، فيبين عن(7) جميعها إبانة واحدة، ولا تراه يخصُّ البياضَ إلا بما يخص بمثله السواد، ولا يعملُ في الخُضْرة إلا مثلَ عملِه في الحُمرة، فدلَّ ذلك عَلَى أن جنسه خلافُ أجناسِ الألوان، وجوهرَه خلافُ جواهرها، وإنما يدل عَلَى اختلافِ الجواهرِ اختلافُ الأعمال؛ فباختلاف الأعمالِ واتفاقها تعرِفُ اختلافَ الأجسام واتفاقَها.

أصل الألوان جميعها

وزعموا أن اللونَ(8) في الحقيقة إنما هو البياض والسواد، وحكموا في المقالة الأولى بالقوة للسواد علَى البياض؛ إذ(9) كانت الألوان كلها كلما اشتدت قربت من السواد، وَبَعُدت من البياض، فلا تزال كذلك إلى أن تصيرَ سواداً.

عِظَم شأْن المتكلمين

وما كان أحْوَجَنَا وأحوجَ جميعَ المرضى أن يكون جميعُ الأطباء متكلمين، وإلى أن يكون المتكلمون علماء؛ فإن الطبّ لو كان من نتائج حُذاق المتكلمين ومن تلقيحهم له، لم نجدْ في الأصول التي يبنون عليها من الخَلَلِ ما نجدُ.

من كلام الإغريق في نظام التوريث

وكانوا يقولون: لا تورِّثوا الابن من المال إلاّ ما يسد الخلة، ويكون له عوناً على درك الفضول، إن كان لا بُدَّ من الفضول؛ فإنَّه إن كان فاسداً زادت تلك الفضول في فساده، وإن كان صالحاً كان فِيما أورثتموه من العلم وبقّيتم له من الكفاية، ما يكسبه الحال، فإن الحال أفضل من المال، ولأَنَّ الماَل لم يَزَلْ تابعاً للحال، وقد لا يتبع الحال المال، وصاحب الفضول بعرَض فساد، وعلى شفا إضَاعة، مع تمام الحنكَة، واجتماع القوَّة، فما ظنُّكم بها مع غَرارة(10) الحداثة، وسوء الاعتبار، وقلة التجربة.

وكانوا يقولون: خير ميراثٍ ما أكسبك الأركان الأَربعة، وأحاط بأصول المنفعة، وعجَّل لك حلاوة المحبَّة، وبقّى لك الأحدوثة الحسنة، وأعطاك عاجل الخير وآجله، وظاهره وباطنه.

وليس يجمع ذلك إلاّ كرامُ الكتب النفيسة، المشتملة على ينابيع العلم، والجامعة لكنوز الأَدب، ومعرفِة الصناعات، وفوائدِ الأَرفاق، وحجج الدين الذي بصحته، وعند وضوح برهانه، تسكن النفوس، وتثلج الصدور، ويعود القلب معموراً، والعزُّ راسخاً، والأَصل فسيحاً(11).

وهذه الكتب هي التي تزيد في العقل وتشحذه، وتداويه وتصلحه، وتهذبه، وتنفي الخَبَث عنه، وتفيدك العلم، وتصادق بينك وبين الحجَّة، وتعوّدك الأَخذ بالثقة، وتجلب الحالَ، وتكسب المال.

ومن أعاجيب الدنيا أمر مالك الحزين، لأنه لا يزال يقعد بقرب المياه ومواضع نبعها من الأنهار وغيرها، فإذا أنشفت يحزن على ذهابها ويبقى حزيناً كئيباً، ربما ترك الشرب حتى يموت عطشاً خوفاً من زيادة نقصها بشربة منها.

ويحك أقبلي!!

عن رجل من بني عامر أنه خرج وهو غلام ما يقل وجهه، وكان ذا جمال وهيئة، صاحب غزل، فهجم على قوم يتحملون، وقد شدوا أثقالهم وبرزوا، وإذا امرأة جميلة قد تخلفت على جمل لها لإصلاح شأنها، قال: فوقفت عليها، فإذا هي أحسن خلق الله وجهاً، وأغزله وأملحه، فتلاقينا كلاماً غير كثير، فقالت: "أسألك شيئاً فهل لك به علم؟"، قلت: "سلي"، قالت: "أيهما أحسن جردة، الرجل أم المرأة"، قلت: "الرجل"، قالت: "بل المرأة، فإن أحببت أن تعلم ذلك علمته"، قلت: "وكيف أعلمه"؟ قالت: "أتجرد لك من ثيابي وأرميها عني ثم أمشي حتى أبلغ الأكمة، ثم أقبل حتى آتيك فتعطيني عهد الله وميثاقه لتفعلنَّ كما فعلت"، فقلت: "لك عهد الله إن فعلت لأفعلنه"، قال: فألقت ثيابها عن أحسن ما نظرت إليه قط، بياضاً ونظافة وحسناً، فلما انتهت إليَّ قالت: "الوفاء"، قلت: "الوفاء، ونعمة عيني"، فخلعت ثيابي وأنا كأبهى الفتيان وأهيأهم حتى مضيت بعد الغاية، فلما انتصف بي المدى سمعت خرخرة جملي، فإذا هي قد جالت على ظهره لابسة ثيابي، متنكبة قوسي، قد لزمت المحجة، فناديتها فلم تعرج عليّ، ولبستُ ثيابها وتخمرتُ بخمارها، وركبت بعيرها وزجرته، فانبعث بي أثر الحي وأخذت شق الوحشي، حتى ما أراها وجعلت أكف عن الجمل، إذ خشيت أن ألحق الظعن حتى رأوني من بعيد، وجعلوا ينادون: "ويحك اقبلي"! وأنا صامت لا أتكلم ولا أتقدم، فلما طال عليهم أمري، بعثوا بجارية لهم مولدة، فأقبلت تعدو حتى أتتني ونشطت خطام الجمل من يدي، وأنا متبرقع أحسن الناس وجهاً وعيناً. فنظرت الجارية في وجهي ساعة، ثم قالت: "لقد أمسيت حديدة الطرف"، وقادت الجمل حتى أتت الحي، فقالت أم الجارية: "يا بنية لقد استحيت من الناس مما دعوتك المشية"، ثم تأملت ونظرت وسائر النساء. وقالت إحداهن: "والله إنه لرجل فطن"، وأنزلتني العجوز وأدخلتني الستر؛ وقالت: "من أنت لا أفلحت"؟ قلت: "بل ابنتك لا أفلحت، ولا أنجحت"، وقصصت عليها قصتها، فقالت: "نشدتك الله ألا أعرتني نفسك هزيماً من الليل فإنا كنا على أن نبني بابنتي صاحبة الجمل الليلة وما في الحي رجل غير زوجها، وهو إنسان فيه لوثة ولا بد من أن أدخلك عليه فإنك غلام أمرد، فلا ينكرك ولا أراه أقوى منك أن اعتركتما فلك عندي يد بيضاء".

وأقبلت وأخت لابنتها وخالتها فألبستني ثوب العروس وطيّبنني، ثم دلفن بي نحو الرجل، بعيد العتمة، وقالت أمها: "أنا لك الفداء، تجلد ساعة بالامتناع، فإنه منصرف عنك. وستأتيك الكافرة". فأدخلتني على مثل الأسد إلاَّ أن به لوثة كما قالت فاعتركنا حتى أعيا، وكف عني، وطال بي الليل حتى سمعت خرخرة جملي، فلم ألبث إلاَّ هنيهة حتى جاءت أمها وخالتها وهي معهما، فجعلتها مكاني، وفتشت عن سرها فإذا هي قد ظلت مع إنسان كانت تهواه، وأتيت ثيابي، فنهضت مبادراً لا ألوي على شيء حذراً مما لقيت.

 

ذوبان

قال لي أبو يعقوب الخزيمي: ما رأيت كثلاثة رجال يأكلون الناس أكلاً حتى إذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوبُ الملح في الماء، والرصاص في النار: كان هشامٌ بن محمدٍ علامة نسابة، وراويةً للمثالب عيابة، فإذا رأى الهيثم بن عدي ذاب كما يذوب الرصاص في النار. وكان علي بن الهيثم مفقعانياً صاحب تفقيع وتقعير، ويستولي على كلام أهل المجلس لا يحفل بشاعر ولا بخطيب، فإذا رأى موسى الضبي ذاب كما يذوب الرصاص عند النار وكان علويه المغني أحد الناس في الرواية وفي الحكاية، وفي صنعة الغناء وجودة الضرب، وفي الإطراب وحسن الخلق، فإذا رأى مخارقاً ذاب كما يذوب الرصاص عند النار.

الهـــوامـــــــش:

(1) في الأصل: "لأن".

(2) في الأصل: "يتمايع".

(3) مياع: سيال.

(4) في الأصل: "كسائر" بالكاف في أوله. محرف.

(5) التفصيل بمعنى التمييز، وفي الأصل: "التقبيل"، تحريف.

(6) ط: "تمييز" صوابه في ش، هـ.

(7) ط، س: "من" والوجه ما أثبت من هـ.

(8) ساقطة من الأصل: وبها يستقيم الكلام ويلتمّ.

(9) ط: "إذا".

(10) الغرارة: الغفلة وقلة التجريب. وفي الأصل الغزارة وهو تحريف.

(11) كذا.