العدد التاسع - شتاء 2009م

   
 

مختارات
 

المعطف (لقراءة المقال بصيغة أكروبات)

نيقولاي غوغول
تترجمة: أبوبكر يوسف

في إحدى الإدارات كان يعمل أحد الموظفين؛ موظف لا نستطيع أن نقول عنه إنه كان بارزاً جداً، بل كان قصير القامة، مجدوراً إلى حدٍّ ما، وأحمر الشعر إلى حد ما، بل ويبدو أعمش إلى حدٍّ ما، بصلعة صغيرة فوق الجبين وتجاعيد على كلا الخدين. أما لون وجهه فكان -كما يقال- بواسيريا. وما العمل؟! الذنب في ذلك ذنب جو بطرسبورغ. أما فيما يتعلق برتبته (لأن من الضروري عندنا أن نعلن الرتبة قبل كل شيء) فقد كان ممن يسمون بـ"المستشارين الاعتباريين"(1) الخالدين، الذين سخر منهم وهزئ بهم ما وسعهم، كما هو معروف، شتى الكُتَّاب من ذوي العادة المحمودة في التهجم على أولئك الذين لا يحسنون العض. وكان اسم عائلة الموظف: بشماتشكين. وكان اسم الموظف أكاكي أكاكيفتش. أما متى وفى أي وقت التحق بالإدارة، ومن الذي ألحقه بها، فهذا ما لم يستطع أحد أن يتذكره؛ فمهما تغير المدراء والرؤساء فقد كان الجميع يرونه دائماً في نفس المكان وفي نفس الوضع وفي نفس الوظيفة؛ أي: موظف كتابة، حتى أنهم آمنوا فيما بعد بأنه، على ما يبدو، قد ولد هكذا جاهزا، في حلته الرسمية وبصلعة في رأسه. لم يكن يحظى في الإدارة بأي احترام؛ فالحراس لم يكونوا ينهضون عند رؤيته، ليس هذا فحسب، بل حتى لم يكونوا ينظرون إليه، كما لو أن مجرد ذبابة هي التي طارت عبر صالة الاستقبال. أما الرؤساء فكانوا يعاملونه بطريقة باردة. فأي مساعد من مساعدي الرئيس القلم كان يدس الأوراق تحت أنفه مباشرة حتى دون أن يقول له: «انسخها»، أو: «هاك عملاً طريفاً طيباً»، أو أية كلمات طيبة كما هي العادة في المكاتب المهذبة. أما هو فكان يتناول الأوراق متطلعا إليها وحدها دون أن ينظر إلى من قدمها له وهل يملك الحق في ذلك أم لا. كان يتناولها ويشرع على الفور في نسخها. وكان الموظفون الشبان يسخرون منه وينكتون عليه بقدر ما كانت تسمح به روح النكتة المكتبية، ويروون أمامه شتى الحكايات التي ألفوها عنه، ويقولون عن مدبرة بيته، وهي عجوز في السبعين من عمرها، إنها تضربه، ويسألونه متى سيحتفلون بزواجهما، ويهيلون الأوراق على رأسه قائلين إنه الثلج يسقط. ولكن أكاكي أكاكيفتش لم يكن يرد على ذلك بكلمة واحدة، كأنما لم يكن يقف أمامه أحد. بل إن ذلك حتى لم يؤثر على عمله، إذ لم يكن يرتكب خطأ واحداً في الكتابة وسط كل هذه السخريات. وفقط عندما تكون النكتة غير محتملة، وعندما كانوا يدفعونه بذراعه، فيعوقونه عن العمل، كان يقول: «دعوني في حالي! لماذا تهينونني؟». كان يبدو ثمة شيء غريب في كلماته وفي الصوت الذي قيلت به؛ كان فيها شيء غريب في الشفقة، حتى أن موظفاً شاباً التحق بالوظيفة حديثاً وكان قد سمح لنفسه بالسخرية منه كما يفعل الآخرون، توقف فجأة كالمصعوق، ومن يومها بدا وكأن كل شيء قد تغير أمام عينيه وتبدى في صورة أخرى. ودفعته قوة غير طبيعية مجهولة بعيداً عن زملائه الذين صاحبهم باعتبارهم أشخاصا محترمين مهذبين. وظل هذا الموظف بعد ذلك، ولفترة طويلة، وفي أوج لحظات المرح، يتذكر الموظف القصير ذا الصلعة فوق الجبين بكلماته النافذة: «دعوني في حالي! لماذا تهينونني؟»، وترن في هذه الكلمات النافذة كلمات أخرى: «أنا مثل أخيك». فكان الشاب المسكين يغطي وجهه بيديه ويرتجف مرات ومرات عديدة بعد ذلك طوال عمره وهو يرى ما في الإنسان من لا إنسانية، وإلى أي مدى تختفي الفظاظة الوحشية في التهذيب الراقي المرهف؛ ويا إلهي! حتى في ذلك الإنسان الذي يعتبره المجتمع نبيلاً وشريفاً. ومن النادر أن تجد شخصا يتفانى في عمله إلى هذا الحد. فلا يكفي أن نقول إنه كان يعمل بغيرة، كلا، لقد كان يعمل بعشق. كان يرى في ذلك النسخ عالماً خاصاً به، عالما متنوعاً ولطيفاً. وكانت المتعة تتجلى في وجهه. كانت بعض الحروف أثيرة لديه، وعندما يبلغها لا يعود يسيطر على نفسه. كان يضحك ويغمز بعينه ويساعد بشفتيه على كتابتها، حتى أنه كان يبدو أن بالإمكان أن تقرأ على وجهه الحرف الذي كان قلمه يخطه. ولو أنهم كافؤوه بقدر حميته فربما أصبح، ولدهشته هو، من مستشاري الدولة(2). ولكنه، وكما قال زملاؤه المازحون، نال من الخدمة فتلة في عروة وفاز بمرض البواسير وألم الظهر. وعموماً فلا يمكن أن نقول إنه لم يحظ بأدنى اهتمام؛ فقد أراد أحد المدراء، وكان رجلاً طيباً، أن يكافئه على النسخ، فكلفوه بأن يعد مذكرة من واقع ملف جاهز بالفعل لإرسالها إلى جهة أخرى. ولم يكن الأمر يتعدى أكثر من تغيير العنوان الرئيسي وتعديل بعض الأفعال من صيغة المتكلم إلى الغائب. ولكنه كلفه من الجهد ما جعله يعرق تماماً ويحك جبينه، وأخيرا قال: «كلا، من الأفضل أن تعطوني شيئاً ما أنسخه». ومن يومها أبقوه للنسخ إلى الأبد. وكان يبدو أنه لا يوجد بالنسبة له أي شيء خارج هذا النسخ. لم يكن يفكر في ملابسه أبدا؛ فحلته لم تكن خضراء اللون، بل ذات لون أحمر طحيني ما. وكانت ياقتها ضيقة، قصيرة، حتى أن عنقه، رغم أنه لم يكن طويلاً، كان يبرز من الياقة ويبدو طويلاً بصورة غير عادية. وكان يعلق بحلته دائما شيء: قطعة قش أو خيط ما. وعلاوة على ذلك كانت لديه مهارة خاصة أثناء سيره في الشارع في أن يتواجد تحت النافذة بالضبط في الوقت الذي يلقون منها شتى الفضلات، ولذلك كان يحمل على قبعته دائما قشر البطيخ والشمام وغير ذلك من التفاهات. لم يحدث مرة واحدة في حياته أن التفت إلى ما يجري ويحدث كل يوم في الشارع، ولا حتى إلى ما ينظر دائماً إليه أخوه الموظف الشاب، كما هو معروف، والذي تمتد نظرته الثاقبة النشطة إلى حد أنه يلاحظ على الرصيف الآخر من تفتقت ربطة ساق سرواله، الأمر الذي يجعل الابتسامة الخبيثة تظهر على وجهه. أما أكاكي أكاكيفتش فحتى لو نظر إلى شيء فما كان ليرى فيه سوى سطوره النظيفة المكتوبة بخط منمق، اللهم إلا إذا استقرت على كتفه فجأة سحنة حصان لا يعلم أحد من أين جاءت ونفثت بمنخاريها في خده ريحا قوية؛ عندها فقط كان يلاحظ أنه ليس في وسط السطر، بل على الأرجح في وسط الشارع. وعندما يعود إلى المنزل كان يجلس على الفور إلى المائدة، فيلتهم بسرعة حساء الكرنب وقطعة لحم البقر بالبصل، دون أن يحس أبداً بطعمها. وكان يأكل ذلك مع الذباب وكل ما كان الله يرسله في تلك الساعة. وعندما كان يلاحظ أن معدته بدأت تنتفخ ينهض من أمام المائدة ويستخرج دواة الحبر ويبدأ ينسخ الأوراق التي جاء بها معه إلى البيت. فإذا لم تكن لديه مثل هذه الأوراق كان يقوم بعمل نسخة لنفسه، فقط من أجل المتعة الشخصية، خاصة إذ كانت الورقة رائعة، لا من حيث جمال صياغتها، بل من حيث أنها مرسلة إلى شخصية جديدة أو هامة.

المعطف - غوغول

وحتى في تلك الساعات التي تنطفئ فيها تماما سماء بطرسبورغ الرمادية، وبعد أن تكون جماعة الموظفين كلهم قد تعشوا وشبعوا، كلاً منهم حسب ما يتقاضاه من مرتب وحسب رغباته الخاصة، وبعد أن يكون الجميع قد ارتاحوا من صرير أقلام الإدارات والركض بعد أداء الأعمال الخاصة وأعمال الآخرين الضرورية، بعد كل ما يكلف به نفسه عن طواعية الإنسان الذي لا يهدأ، بل وبأكثر مما ينبغي... عندما يسرع الموظفون إلى تخصيص ما تبقى من وقت للمتعة؛ فالأنشط منهم ينطلق إلى المسرح، ومنهم من يخرج إلى الشارع مخصصاً هذا الوقت للتطلع إلى بعض القبعات، ومنهم من يذهب إلى حفل ما لينفق الوقت في إسداء المديح لفتاة ما مليحة تعد نجمة من نجوم أوساط الموظفين الضيقة، ومنهم من يذهب، وهؤلاء هم الأكثر، إلى أخيه الذي يسكن في الطابق الرابع أو الثالث، في شقة من غرفتين صغيرتين ومدخل أو مطبخ وببعض إدعاءات الموضة كمصباح مثلاً أو قطعة أثاث كلفت أصحابها تضحيات كثيرة وحرمانا من وجبات الغداء والنزهات... وباختصار: فحتى في الوقت الذي يجلس فيه الموظفون في شقق زملائهم الصغيرة ليلعبوا الورق وهم يرشفون الشاي من الأكواب مع قطع الخبز المحمص الرخيص وينفثون الدخان من الغلايين الطويلة ويروون أثناء توزيع الورق شائعة ما وردت من المجتمع الراقي... وباختصار أكثر: حتى عندما يسعى الجميع إلى اللهو؛ فإن أكاكي أكاكيفتش لم يكن يلجأ إلى أي لهو، ولا يستطيع أحد أن يقول إنه رآه في وقت ما في إحدى الحفلات. فبعد أن يشبع من النسخ يأوي إلى فراشه وهو يبتسم سلفاً مفكرا في الغد؛ فغدا سيرزقه الله بشيء ما لينسخه. هكذا كانت تمضي حياة هذا الرجل الوادعة، هذا الرجل الذي كان راضيا عن حظه بالأربعمائة روبل التي يتقاضاها في السنة، وربما مضت إلى أرذل العمر، لولا وجود شتى المصائب المتناثرة على درب الحياة، ليس فقط أمام المستشارين الاعتبارين، بل والمستشارين السريين الفعليين ومستشاري البلاط(3) وغيرهم من المستشارين، وحتى أولئك الذين لا يقدمون استشارات لأي شخص ولا يطلبون المشورة من أحد. في بطرسبورغ ثمة عدو لدود لكل من يتقاضى أربعمائة روبل في السنة أو زهاء هذا. وهذا العدو ليس إلا صقيعنا الشمالي، بالرغم من أنه يقال إنه مفيد جداً للصحة. ففي بداية الساعة التاسعة صباحا، وبالذات عندما تكتظ الشوارع بالذاهبين إلى العمل، يبدأ هو في توجيه لذعات حادة قوية إلى جميع الأنوف دونما تمييز، حتى أن الموظفين المساكين لا يعرفون أبداً أين يخفونها. وفي تلك الساعة يشعر حتى أولئك الذين يشغلون مناصب عليا بألم في جباههم من البرد، وتطفر الدموع من عيونهم. أما المستشارون الاعتباريون المساكين فيصبحون أحياناً بلا حماية، والمخرج الوحيد هو أن يركضوا في معاطفهم الهزيلة بأسرع ما يستطيعون ليقطعوا خمسة أو ستة شوارع، ثم يدقون بأقدامهم جيدا في المدخل لكي يذيبوا ما تجمد في الطريق من قدرات ومواهب على أداء الأعمال الوظيفية. ومنذ فترة قريبة بدأ أكاكي أكاكيفتش يحس بوخز شديد، خاصة في ظهره وكتفه، على الرغم من أنه كان يحاول أن يقطع المسافة المشروعة بأسرع ما يمكن. وأخيراً فكر: ألا يرجع ذلك إلى بعض العيوب في معطفه. وعندما فحصه جيدا في المنزل اكتشف أنه أصبح في موضعين أو ثلاثة، وبالذات عند الظهر والكتفين، مثل الخيش تماماً، فقد رق نسيجه إلى درجة أن الهواء صار ينفذ خلاله، أما البطانة فقد تهرأت. وينبغي أن نعرف أن معطف أكاكي أكاكيفتش كان أيضاً مادة لسخريات الموظفين، بل لقد نزعوا عنه اسم «المعطف» النبيل وسموه «قبوطا». وبالفعل فقد كان شكله غريبا؛ كانت ياقته تصغر عاما بعد عام، لأنها كانت تستخدم في ترقيع الأجزاء الأخرى، ولم يظهر الترقيع مهارة الخياط، فكانت الرقع تبدو قبيحة وخرقاء. وعندما عرف أكاكي أكاكيفتش حقيقة الأمر قرر أن يأخذ المعطف إلى بتروفتش، الخياط الذي يقطن في شقة ما بالطابق الرابع من ناحية سلم الخدم، والذي كان رغم عوره ووجهه المجدور كله يزاول بنجاح كبير تصليح معاطف الموظفين وسراويلهم وحللهم وما إلى ذلك، بالطبع عندما يكون مفيقا وليس في رأسه مشاريع أخرى. وما كان هذا الخياط ليستحق منا أن نتحدث عنه كثيراً، ولكن بما أن العادة جرت أن يحدد في القصة طبع كل شخصية بوضوح تام، فلا حيلة إذاً، هيا قدموا لنا بتروفتش أيضاً. كان في البداية يدعى ببساطة: غريغوري، وكان من رقيق الأرض عند أحد السادة. ثم أصبح يدعى بتروفتش عندما أعتق، وقد أصبح يسكر بشدة في جميع الأعياد؛ في البداية في الأعياد الكبيرة، وبعد ذلك دون تمييز في جميع الأعياد الدينية وحيثما وضعت إشارة الصليب أمام أي يوم من أيام التقويم.

وبينما كان أكاكي أكاكيفتش يصعد السلم المؤدي إلى بتروفتش أخذ يفكر في المبلغ الذي سيتطلبه بتروفتش وقرر في ذهنه ألا يعطيه أكثر من روبلين. كان الباب مفتوحاً، لأن ربة البيت تقلي سمكاً، فملأت المطبخ بالدخان إلى درجة أنه لم يعد من الممكن حتى رؤية الصراصير نفسها. ومرَّ أكاكي أكاكيفتش عبر المطبخ حتى دون أن يلاحظ ربة البيت ذاتها، إلى أن وصل أخيراً إلى غرفة رأى فيها بتروفتش جالساً على طاولة خشبية عريضة غير مطلية، طاويا قدميه تحت، كالباشا التركي. وكانت قدماه، كعادة الخياطين الجالسين إلى عملهم، عاريتين. وأول ما لفت نظر أكاكي أكاكيفتش تلك الأصبع الكبيرة المعروفة جداً له، ذات الظفر المشوه، الإصبع السمينة القوية كصدفة السلحفاة. ومن رقبة بتروفتش تدلت ذؤابة من الحرير والخيوط، وعلى ركبتيه حشو ما. كان منذ حوالي ثلاث دقائق يحاول إدخال الخيط في ثقب الإبرة ولا يستطيع، ولذلك كان ساخطاً على العتمة، بل وحتى على الخيط نفسه، وهو يدمدم بصوت خافت: «لا يدخل هذا الوغد، أيها الملعون! أنهكتني!». وشعر أكاكي أكاكيفتش بالضيق من مجيئه في هذه اللحظة التي كان بتروفتش فيها غاضبا، فقد كان يحسب أن يوصي بتروفتش بشيءٍ ما عندما يكون الأخير منتعشاً بعض الشيء، أو كما كانت زوجته تقول: «عبّ من الهباب المسكر هذا الشيطان الأعور». ففي مثل هذه الحالة كان بتروفتش في العادة يتنازل ويوافق عن طيب خاطر، بل كان ينحني كثيرا ويلهج بالشكر. صحيح أن زوجته كانت تأتي بعد ذلك وهي تعول وتشكو من أن زوجها كان آنذاك ثملا، ولذلك وافق على ثمن بخس؛ ولكن الأمر كان ينتهي بزيادة عشرة كوبيكات فقط وتسوى الأمور. أما الآن فيبدو أن بتروفتش غير ثمل، ولذلك فهو صعب المراس، لا يلين، وسيطلب على الأرجح ثمنا باهظا. أدرك أكاكي أكاكيفتش ذلك وأراد أن يعود أدراجه، ولكن كان قد بدأ الأمر. زر بتروفتش عينه الوحيدة مسدداً نظرتها الثاقبة إليه، فتفوه أكاكي أكاكيفتش مسلوب الإرادة:

- مرحباً يا بتروفتش!

- فقال بتروفتش:

- مرحباً بكم يا سيدي!

ونظر بطرف عينه نحو يدي أكاكي أكاكيفتش رغبة منه في أن يعرف ما هو الصيد الذي جاء به هذا إليه.

- ها أنذا قد جئت إليك، يا بتروفتش، بهذا! يعني...

وينبغي أن نعرف أن أكاكي أكاكيفتش كان يعبر عن أفكاره في أغلب الأحوال بحروف الجر والظروف وأخيرا بالأدوات التي ليس لها أي معنى على الإطلاق. أما إذا كانت المسألة صعبة جدا فقد كان من عادته ألا ينهي الجملة أبداً؛ ولذلك كان كثيراً ما يبدأ حديثه بهذه الكلمات: «هذا في الواقع... يعني... تماماً...»، وبعد ذلك لا يقول شيئاً، وينسى هو نفسه، وهو يظن أنه قد قال كل شيء.

- ما هذا؟

قال بتروفتش وتفحص أثناء ذلك بعينه الوحيدة حلة أكاكي أكاكيفتش كلها ابتداء من الياقة حتى الأكمام والظهر والصدر والعُرى وكل ما كان معروفا لديه جيدا، لأنه كان من صنع يديه. تلك عادة الخياطين، وهذا أول ما يفعله الخياط عندما يلقاك.

- وها أنذا، يا بتروفتش، يعني... المعطف... الجوخ... انظر، في كل مكان آخر مازال متيناً، لقد تعفر قليلا، ويبدو وكأنه قديم، لكنه جديد، فقط في مكان واحد، يعني... على الظهر، وأيضاً هنا على كتف واحد تلف قليلاً، وعلى هذا الكتف أيضاً قليلا، أترى، هذا كل شيء، عمل قليل!

 أخذ بتروفتش القبوط وبسطه على الطاولة أولا وفحصه طويلا وهز رأسه ومد يده إلى النافذة ليأخذ علبة السعوط المستديرة والمرسوم عليها صورة جنرال ما، لا يعرف أي جنرال هو، لأن المكان الذي كان وجهه مرسوما عليه قد ثقب وغطي بقطعة ورق مربعة. واستنشق بتروفتش السعوط وبسط المعطف بين يديه وفحصه في مواجهة النور، وهز رأسه ثانية، ثم قلبه، فجعل بطانته إلى أعلى، وهز رأسه من جديد، ونزع من جديد غطاء العلبة بصورة الجنرال المغطى بورقة، وبعد أن حشا أنفه بالسعوط أغلق العلبة وخبأها... وأخيرا قال:

 - كلا، لا يمكن إصلاحه؛ ملبس بال.

أحس أكاكي أكاكيفتش عند سماعه هذه الكلمات بوخزة في قلبه.

- ولماذا لا يمكن، يا بتروفتش؟ (قال بصوت ضارع كصوت الطفل تقريباً) كل ما فيه أنه أصبح خفيفاً عند الكتفين، وأنت لديك حتما قطع ما.

- نعم، يمكن أن أجد قطعا، القطع موجودة (قال بتروفتش) لكن لا يمكن تثبيتها؛ النسيج مهترئ تماما، ما إن تلمسه بالإبرة حتى يتفسخ.

- فليتفسخ، أما أنت فلتضع رقعة على الفور.

- ليس هناك ما توضع عليه الرقعة، لا يوجد ما تثبت عليه، إنه مستهلك جداً، الاسم فقط جوخ، ولكن لو هبَّت عليه الريح فسيتطاير.

- حاول أن تثبتها. كيف إذاً... في الواقع... يعني...؟!

- كلا (قال بتروفتش بحسم) لا يمكن عمل شيء. أما المعطف فيبدو أنك ستضطر إلى تفصيل واحد جديد.

عند سماع كلمة «جديد» غامت عينا أكاكي أكاكيفتش واختلط أمام نظره كل ما كان في الغرفة، لم ير بوضوح سوى الجنرال بوجهه المغطى بورقة على غطاء علبة سعوط بتروفتش.

 - معطف جديد... كيف؟ (قال وكأنما لا يزال نائما) ليس لدي نقود لذلك.

- نعم، جديد (قال بتروفتش بهدوء وحشي)

- وإذا اضطررت إلى معطف جديد فكيف... يعني... هو...؟

- تقصد كم يساوي؟

- نعم.

- ثلاث ورقات من فئة الخمسين أو أكثر قليلا سيكون عليك أن تدفع.

- قال بتروفتش وزمّ شفتيه زمة ذات مغزى. كان يحب جدا التأثيرات القوية، كان يحب أن يربك من أمامه فجأة بطريقة ما، ثم ينظر بعد ذلك بطرف عينه إلى التعبير الذي يكسو ملامح الشخص المرتبك بعد سماع كلمات الخياط. وصرخ أكاكي أكاكيفتش المسكين:

- مائة وخمسون روبلا لمعطف!

صرخ ربما لأول مرة في حياته، فقد كان معروفا دائما بصوته الخافت.

- نعم (قال بتروفتش) وهذا يتوقف أيضاً على نوع المعطف؛ فلو وضعنا على الياقة فراء سنسار وبطنّا القلنسوة بالحرير فيصل إلى المائتين.

- بتروفتش! أرجوك! (قال أكاكي أكاكيفتش بصوت ضارع وهو لا يسمع ولا يحاول أن يسمع ما قاله بتروفتش من كلمات وجميع تأثيراته) أصلحه بأي شكل، لكي أستخدمه ولو فترة أخرى.

- كلا، هذا لا يمكن، سيكون ذلك إهداراً للعمل وتضييعا للنقود عبثا.

قال بتروفتش، فخرج أكاكي أكاكيفتش من عنده بعد هذه الكلمات محطما تماماً.

أما بتروفتش فقد ظل بعد خروجه واقفا مدة طويلة، وقد زمّ شفتيه زمة ذات مغزى، وهو لا يشرع في العمل، وقد أرضاه أنه لم يفرط في كرامته، كما أنه لم يخنْ فنه كخياط. عندما خرج أكاكي أكاكيفتش إلى الشارع كان كأنه في حلم. ومضى يحدث نفسه: «يا له من أمر! يا لها من قضية! في الحقيقة لم أكن أظن أن المسألة... يعني... ستكون...». وبعد فترة صمت استطرد: «هكذا إذاً! هذا حقا غير متوقع أبداً، يعني... أبداً، لكن... يا لها من مسألة!». وبعد أن قال ذلك، وبدلا من أن يذهب إلى البيت، سار في اتجاه آخر تماما، وهو لا يدري. وفي الطريق احتك به منظف مداخن بجنبه الملوث، فسوّد له كتفه كله. وانهال عليه كوم من الملاط من قمة منزل يجري بناؤه. لم يلاحظ ذلك كله. وفيما بعد، عندما اصطدم بالدركي الذي كان قد أسند بلطته إلى جواره وأخذ ينفض التبغ من علبة تبغه فوق راحته الخشنة، عندها أفاق أكاكي أكاكيفتش قليلاً؛ وذلك فقط لأن الحارس قال له: «مالك تندفع مصطدما بالسحنة!؟ أليس أمامك رصيف!؟». وقد جعله ذلك يتنبه ويعود أدراجه إلى المنزل. وهنا فقط بدأ يستجمع شتات أفكاره، فرأى وضعه في صورته الحقيقية الواضحة، وأخذ يحدث نفسه، لا بعبارات متقطعة، بل بحكمة وصراحة، كأنما يتحدث إلى زميل راجح يمكن أن تفضي إليه بأخص أسرار القلب. قال أكاكي أكاكيفتش: «لا، لا يمكن! الكلام مع بتروفتش الآن مستحيل! فهو الآن يعني... يبدو أن زوجته ضربته علقة بشكل ما. الأفضل أن أذهب إليه صباح الأحد، فبعد السبت سيكون زائغ النظرات ونعساناً وبحاجة إلى الشراب، وزوجته لن تعطيه نقودا. وعندئذ أدس... يعني... في يده عشرة كوبيكات، فيصبح الاتفاق معه أسهل، وعندئذ سيأخذ المعطف، يعني...». هكذا حدث أكاكي أكاكيفتش نفسه وشجعها. وانتظر حلول يوم الأحد. وعندما رأى من بعيد زوجة بتروفتش تخرج لأمر ما من المنزل، توجه إليه مباشرة. وبالفعل كان بتروفتش بعد السبت زائغ النظرات بشدة، ورأسه مدلى نحو الأرض، وكان نعساناً جداً. ورغم كل ذلك فما إن عرف بالأمر حتى اعتدل كأنما وخزه الشيطان، وقال: «لا يمكن! فلتتكرم بتفصيل معطف جديد». وهنا دس أكاكي أكاكيفتش في يده عشرة كوبيكات. فقال بتروفتش: «أشكرك، يا سيدي، سأشرب قليلاً في صحتك. أما بخصوص المعطف فلا تقلق، إنه لا ينفع أية منفعة. سأخيط لك معطفاً جديداً عظيماً، على هذا اتفقنا».

وأراد أكاكي أكاكيفتش أن يفتح فمه ليتحدث عن التصليح، ولكن بتروفتش لم يصغ إليه وقال: «سأخيط لك واحداً جديداً من كل بد، وبوسعك أن تعتمد علي في ذلك، سأبذل جهدي. ومن الممكن حسب الموضة الآن أن أركب الياقة بمشابك فضية».

وعندها أدرك أكاكي أكاكيفتش أنه لا يمكن التنصل من تفصيل معطف جديد، فانهار تماما. وبالفعل كيف يمكن أن يفصله، بأية نقود؟ ومن أين له؟ بالطبع كان من الممكن الاعتماد جزئياً على المكافأة القادمة بمناسبة العيد، ولكن هذا المبلغ قد وزع وحددت أوجه إنفاقه سلفاً منذ زمن بعيد؛ فقد كان من المطلوب اقتناء سروال جديد، وتسديد دين قديم للاسكافي مقابل تركيب رقبة جديدة للحذاء القديم، وكان عليه أيضاً أن يوصي الخياطة على ثلاثة قمصان وعلى قطعتين من تلك الملابس التي لا يليق ذكر اسمها في نص مطبوع؛ وباختصار، كان من المفروض إنفاق المبلغ كله، وحتى لو تكرم المدير وصرف له بدلاً من الأربعين روبلاً المقررة خمسة وأربعين أو خمسين فلن يتبقى منها مع ذلك سوى شيء تافه لن يكون في رصيد المعطف سوى قطرة من بحر. رغم أنه كان يعرف طبعاً أنه كان من عادة بتروفتش أحياناً أن يطلب فجأة مبلغا لا يعقل، حتى أن زوجته كانت لا تتمالك نفسها، فتصيح به: «ماذا دهاك!؟ هل جننت، أيها الأحمق؟! مرة لا يرضى أن يعمل بأي حال، والآن يدفعه الشيطان إلى طلب سعر لا يساويه المعطف حتى مقابل ثمانين روبلا، ومع ذلك فمن أين يأتي بالثمانين روبلا هذه؟ ربما أمكن تدبير نصف المبلغ، نعم، ربما وجد نصفه، بل وربما أكثر قليلاً، ولكن من أين يأتي بالنصف الآخر؟ ولكن ينبغي أولاً أن يعرف القارئ من أين جاء النصف الأول. كان من عادة أكاكي أكاكيفتش أن يوفر من كل روبل ينفقه نصف كوبيك ويضعه في صندوق صغير مقفل ذي فتحة في غطائه لإلقاء النقود فيها. وكان كل نصف عام يغير قطع النقود النحاسية المتجمعة هناك بقطع فضية. هكذا كان يفعل منذ زمن طويل، وعلى هذا النحو تجمع لديه خلال عدة سنوات مبلغ يفوق الأربعين روبلا. وهكذا فقد كان معه نصف المبلغ؛ ولكن من أين يأتي بالنصف الآخر؟ وفكر أكاكي أكاكيفتش طويلا، ثم قرر أنه ينبغي عليه أن يخفض نفقاته العادية، ولو خلال عام واحد على الأقل: يمتنع عن تناول الشاي كل مساء، ولا يشعل الشمعة مساء، فإذا تطلب الأمر أن يعمل فليذهب إلى غرفة صاحبة البيت ويعمل هناك على ضوء شمعتها، وأن يسير في الشارع بأقصى ما يمكن من الخفة والحذر وهو يخطو فوق الأحجار والبلاط على أطراف أصابعه تقريبا لكي لا يبلى نعله بسرعة، وأن يقلل ما أمكن من إعطاء ملابسه للغسالة، وحتى لا تبلى فعليه أن يخلعها كلما عاد إلى المنزل ويبقى فقط بالروب القطني العتيق جدا والذي رأف بحاله حتى الزمن نفسه. وللحقيقة ينبغي أن نقول إنه كان من الصعب عليه إلى حدٍّ ما في البداية أن يتعود على هذه القيود؛ ولكنه ألفها فيما بعد وسارت الأمور على ما يرام، بل إنه تعود تماما على الجوع في المساء، وفي المقابل فقد كان يتغذى معنويا، وهو يحمل في خاطره الفكرة الخالدة عن المعطف المقبل. ومنذ تلك اللحظة بدا وكأنَّ وجوده نفسه أصبح أكثر اكتمالاً، وكأنما تزوج، كأنما أصبح يلازمه شخص ما، كأنما لم يعد وحيداً، بل وافقت شريكة حياة لطيفة على أن تمضي معه في درب الحياة، ولم تكن شريكة الحياة تلك سوى المعطف ذي الحشوة القطنية السميكة والبطانة المتينة التي لا تعرف البلى. وأصبح أكاكي أكاكيفتش أكثر حيوية، بل وأصبحت شخصيته أكثر صلابة، كشخص حدد لنفسه هدفا وسعى إليه. واختفت من وجهه ومسلكه تلقائياً الشكوك والتردد، أي: كل الملامح المتذبذبة وغير المحددة. وكانت عيناه تتوقدان أحياناً، وكانت أكثر الخواطر جرأة وجسارة تومض في ذهنه؛ فماذا لو ركّب فعلا ياقة من فراء السنسار!؟ وكاد التفكير في ذلك أن يجعله نهبا لشرود الذهن. فذات مرة أوشك أن يخطئ وهو ينسخ الأوراق، حتى أنه صاح بصوت مسموع تقريبا: «أوه ورسم علامة الصليب. وكان كل شهر يزور بتروفتش مرة على الأقل لكي يتحدث عن المعطف، ومن أين يستحسن أن يشتري الجوخ، ومن أي لون، وبأي ثمن... وكان يعود من عنده مهموما بعض الأحيان، إلا أنه كان يعود راضياً دائما وهو يفكر في أنه سيأتي أخيرا ذلك الزمن الذي سيشتري فيه كل ذلك ويصبح المعطف جاهزاً. بل لقد سارت الأمور بأسرع مما كان يتوقع؛ فخلافا لكل الأحلام قرر المدير لأكاكي أكاكيفتش لا أربعين ولا خمسة وأربعين روبلا، بل ستين روبلا كاملة. وسواء أحس المدير أن أكاكي أكاكيفتش بحاجة إلى معطف أم أن ذلك حدث عفوا، فقد أصبح لديه نتيجة لذلك عشرون روبلا زيادة. وعجل هذا الوضع بسير الأمور، فبعد شهرين أو ثلاثة من الجوع البسيط أصبح لدى أكاكي أكاكيفتش بالضبط حوالي ثمانين روبلا. وبدأ قلبه، الذي كان هادئاً للغاية بصفة عامة، يدق. وفي نفس اليوم ذهب مع بتروفتش إلى المحلات، وابتاعا قماشاً جيداً جداً، ولا عجب؛ فقد كانا يفكران في ذلك قبلها بنصف عام، ونادرا ما مر شهر دون أن يذهبا إلى المحلات للنظر في الأسعار. وفي المقابل فقد قال بتروفتش نفسه إنه ليس هناك جوخ أفضل منه. واختار للبطانة قماشاً بفتة، ولكنه كان متينا وسميكا، وحسب كلام بتروفتش أفضل من الحرير، بل وكان منظره أبهى وأكثر لمعاناً. ولم يشتريا فراء السنسار، لأنه كان بالفعل غاليا، وبدلا منه اختارا فراء قط أفضل لم يجدا غيره في المحل، فراء قط يمكن دائما أن تظنه فراء سنسار إذا نظرت إليه من بعيد. واستغرق بتروفتش أسبوعين في خياطة المعطف، لأنه تطلب الكثير من التنجيد، ولولا ذلك لفرغ منه قبل ذلك. وأخذ بتروفتش اثني عشر روبلا أجرا، ولم يكن من الممكن إعطاؤه أقل من ذلك؛ فقد كانت الخياطة كلها بخيوط من الحرير وبخياطة دقيقة مزدوجة، ومر بتروفتش على كل الخياطة بأسنانه بعد ذلك مزيلا بها شتى النتوءات. وكان ذلك في... من الصعب أن نقول في أي يوم كان ذلك بالضبط، ولكنه على الأرجح كان أكثر الأيام مهابة في حياة أكاكي أكاكيفتش، وذلك عندما جاءه بتروفتش أخيراً بالمعطف. جاء به في الصباح بالضبط قبيل الوقت الذي كان على أكاكي أكاكيفتش فيه أن يذهب إلى الإدارة. وجاء هذا المعطف في وقت ليس هناك ما هو أكثر منه مناسبة، فقد بدأ بالفعل الصقيع الشديد، وبدا أنه ينذر بمزيد من البرد. وجاء بتروفتش بالمعطف كما ينبغي أن يأتي خياط جيد, فقد ظهر على وجهه تعبير أهمية لم يره أكاكي أكاكيفتش عليه من قبل قط. وبدا أنه يدرك الهوة التي تفصل بين الخياطين الذين يركبون البطانات فقط ويصلحون الملابس، وبين الخياطين الذين يخيطون الملابس الجديدة. وأخرج بتروفتش المعطف من المنديل الذي لفه به. وكان المنديل خارجا من أيدي الغسالة لتوه، وقد لفه بتروفتش بعد ذلك ووضعه في جيبه للاستعمال، وبعد أن أخرج المعطف نظر إليه بزهو شديد وأمسكه بكلتا يديه، ثم ألقى به بمهارة شديدة على كتفي أكاكي أكاكيفتش، ثم شده وسوَّاه بيده من الخلف إلى أسفل، ثم مر بيده على المعطف، وهو مسدل على كتفي أكاكي أكاكيفتش. ولكن أكاكي أكاكيفتش، كرجل متقدم في العمر، أراد أن يجرب المعطف، وقد ارتداه بأكمامه، فساعده بتروفتش على ارتدائه بأكمامه، فظهر أنه جيد بالأكمام أيضاً. وباختصار، فقد اتضح أن المعطف كان على مقاسه بالضبط. ولم ينس بتروفتش بهذه المناسبة أن يقول إنه فقط لأنه يعيش بدون لافتة وفي شارع صغير، وفوق ذلك يعرف أكاكي أكاكيفتش منذ فترة طويلة، فقد تقاضى أجراً قليلاً إلى هذا الحد. أما في شارع «نيفسكي» فكانوا سيأخذون منه خمسة وسبعين روبلا على الخياطة فقط. ولم يشأ أكاكي أكاكيفتش أن يجادل بتروفتش في ذلك، وعلاوة على ذلك فقد كان يخاف من تك المبالغ القوية التي كان يحلو لبتروفتش أن يوهم بها الزبائن. فنقده أجره وشكره وخرج على الفور في المعطف الجديد إلى الإدارة. وخرج بتروفتش في أثره ووقف في الشارع ينظر طويلاً إلى المعطف من بعيد. ثم انعطف عن عمد إلى حارة ملتوية لكي يختصر الطريق ويعود إلى الشارع ثانية وينظر مرة أخرى إلى المعطف، ولكن من ناحية أخرى، أي: من الوجه مباشرة. بينما كان أكاكي أكاكيفتش يسير ومشاعر البهجة تغمره. كان يشعر كل لحظة بأن على كتفيه معطفا جديدا، بل وضحك عدة مرات من السرور الداخلي. وبالفعل فقد كانت هناك منفعتان: واحدة هي أنه دافئ، والأخرى أنه حسن. ولم يلحظ الطريق أبداً، ووجد نفسه في الإدارة فجأة. وفي غرفة الحاجب خلع المعطف وتفحصه من جميع الجهات ووضعه في رعاية الحاجب الخاصة. ولا نعرف كيف علم جميع من في الإدارة فجأة أن لدى أكاكي أكاكيفتش معطفا جديدا، وأن معطفه السابق لم يعد له وجود بعد. وفي نفس اللحظة هرول الجميع إلى غرفة الحاجب ليروا معطف أكاكي أكاكيفتش الجديد. وراحوا يهنئونه ويحيونه، حتى أنه في البداية أخذ يبتسم فقط، ثم شعر بعد ذلك بالخجل، وعندما أخذ الجميع، وقد أحاطوا به، يقولون إنه لا بد من تدشين المعطف الجديد، وأنه ينبغي عليه على الأقل أن يقيم لهم جميعا حفلا، ارتبك أكاكي أكاكيفتش تماما، ولم يعرف ماذا يفعل وبمَ يردّ وكيف يتملص. وبعد بضع دقائق، وقد احمرّ كله، راح يؤكد لهم بسلامة نية أن هذا المعطف ليس جديداً أبداً وإنما هكذا مجرد معطف قديم. وأخيرا قال أحد الموظفين، بل كان أحد مساعدي رئيس القلم، ربما لكي يظهر أنه ليس متكبرا أبداً، بل ويتعامل مع من هم أدنى منه، قال: «طيب، فليكن! أنا سأقيم لكم حفلا بدلا من أكاكي أكاكيفتش، وأدعوكم اليوم لتناول الشاي. واليوم بالمناسبة عيد ميلادي». وعلى الفور هنأ الموظفون مساعد رئيس القلم وقبلوا دعوته بكل سرور. وأراد أكاكي أكاكيفتش أن يعتذر، ولكن الجميع راحوا يقولون إن ذلك لا يليق وأنه شيء معيب ومخجل، فلم يستطع أبدا أن يرفض الدعوة. وعلى العموم فقد شعر فيما بعد بالسرور عندما تذكر أن ذلك سيتيح له فرصة السير مساء أيضا في المعطف الجديد. وكان هذا اليوم كله بالنسبة أكاكي أكاكيفتش كأنما أكبر وأبهى عيد. وعاد إلى البيت في أسعد حالة، ونزع المعطف وعلقه بحرص على الجدار، وقد ملى عينيه مرة أخرى من الجوخ والبطانة، ثم أخرج معطفه القديم عمدا بقصد المقارنة، ذلك المعطف الذي تهرأ تماما، تطلع إليه فضحك هو نفسه منه؛ فما أبعد الفرق بينهما! وظل بعد ذلك وطوال الغداء يضحك كلما خطرت له حالة معطفه السابق. وتناول الغداء بمرح، ولم ينسخ شيئاً بعد الغداء، لم يمسك بأية أوراق، بل تمرغ