العدد الخامس - صيف 2008م

   
 

إصدارات  (لقراءة المقال بصيغة أكروبات)
 

 قام بقراءتها: حاتم الصكر

باءات عباس بيضون

 يواصل الشاعر اللبناني عباس بيضون كتاباته المتسمة بالتجريب المستمر، ومحاولة تكريس قصيدة نثر ذات لغة مغايرة لا تركن إلى البلاغات المستهلكة والمعالجات الغنائية المتخفية في ثياب التحديث الذي شرعت أبوابه قصيدة النثر بشكل كامل. قد يغري أحياناً بالخلط بين النثر كجنس له أعرافه وقوانينه وبين وجوده في الشعر كإيقاع يتركب وينصهر في الخطاب الشعري نفسه ويندغم فيه، فيكون الشعر هو المركز في هذا المنظور، جاذباً إليه روح النثر وأجواءه وإيحاءاته وإيقاعاته، ولكن بعد تكييفها شعرياً وتخفيف طبيعتها المباشرة.

قصائد الديوان تتوزع في أبواب ثلاثة، أو كتب شعرية رئيسة، وتحمل عنواناً ملغزاً هو «ب. ب. ب»، الذي سيعرف القارئ أنه أشير اختصاراً إلى المدن الثلاث في الديوان التي تبدأ بالباء: باريس، برلين، وبيروت، والتي تدور فيها وحولها وعنها الأقسام الثلاثة:

 1. كُفّار باريس.

 2. فصل في برلين.

 3. دقيقة تأخير عن الواقع – أبواب بيروتية.

 وتثير قراءة الديوان أكثر من قضية تتصل بخطاب قصيدة النثر، منها صلتها بالسرد، وموقع الـ»أنا» أو الذات فيها، والبعد أو الاقتراب عن الموضوع، والمكان وتمثيله شعرياً، واللغة، التي هي من أكثر هذه القضايا أهمية، لأنها مجمع كثير من الملاحظات التي تبعث عليها التغيرات في المفردات المستخدمة والتراكيب والرؤى المصورة أو الممثلة لغوياً، باعتبار أن قصيدة النثر تتنازل عن الخطابية والمباشرة والاجترار، وتجافيها، لخلق لغة تعادل الشحنات الشعورية التي تولدها إيقاعات قصيدة النثر وبناؤها العام.

 ولأن بيضون ذو تجارب متراكمة، ومن الممتلكين لوعي عالٍ بمهمة النثر في الشعر؛ فإن قصيدته تنجو من كثير مما تعاني منه قصائد النثر، لا سيما في اختيار زوايا النظر لموضوعه، وملامسة قضايا متعددة في منظور رؤيوي شعري واحد يعكس كثافة معرفته وثقافته وإحساسه وإدراكه.

 يشكل المكان والسرد عنصرين بارزين في تجربة عباس بيضون، منذ قصائده الأولى، كقصيدته الطويلة عن «صور». لكنه هنا يُسقط ذاته في لحظة ظاهراتية فريدة ليتمثل الأمكنة الثلاثة، لا بكونها فراغات فضائية أو مشاهد بصرية أو امتدادات لرواسب حضارية أو مظاهر مدينية معاصرة، بل كما تنعكس في الوعي وما يرتبط به من وقائع ومشاهد، لعل أكثرها توليداً للنصوص العيش فيها والغربة والألفة وتداعياتها والإطلالات الممكنة على الأشياء أو عبرها. وأنا هنا أحيل إلى قصيدته «نافذة في قطار»، وهي الحادية عشرة في تسلسل قصائد برلين المحاطة بالجو الشتوي والوحدة والأنس الممكن بالطبيعة خارج القطار، ولكن لتأمل حزين لمصير الشجر والعصافير التي غابت عنها، وما تسمح برؤيته نافذة القطار التي ينظر منها (إلى العالم).

 تحيل كثير من الملفوظات النصية على مراجع فاعلة في تجربة بيضون: «كفار باريس» لبيضون و»ضجر باريس» لبودلير، «فصل في برلين» لبيضون و»فصل في الجحيم» لرامبو، القصيدة القائمة على تكرار بوتسدام في ختام أغلب أبيات قصيدة «ساحة بوتسدام» لبيضون:

 الرعب ملاك في ساحة بوتسدام

 القدر ساعة فوق ساحة بوتسدام

 قراصنة المستقبل ليسوا أول من يصل إلى بوتسدام

 وقصيدة «تحقيق الهوية» للشاعر الألماني أنتسنسبيرغر، حيث يختم كل بيت فيها بكلمة دانتي:

 هذا ليس دانتي

 هذه صورة دانتي

 هذا فيلم يلعب فيه دانتي دور دانتي

 هذا رجل يحلم بدانتي...

ولكن هذه التقنية من مأثورات الخطاب الحديث في القصيدة العربية أيضاً. وبيضون هنا يراقب المكان بوقع الزمن عليه أيضاً:

القمر جاف على القساطل

القمر أبيض على المدينة الطباشيرية

شتاء عديم الألوان

إنه فحسب كتابة بالقش والرمل.

ديوان عباس بيضون توثيق للوعي بالمكان ورؤية الذات في أدق لحظات تجليها مندغمةً بوحدتها ووعيها بما حولها، مع الإفادة القصوى من السرد واسترسال النثر غير المؤطّر بلوعاتٍ ضاجّة أو ندب مجاني مباشر.

  («ب. ب. ب»، عباس بيضون، شعر، دار الساقي، بيروت 2007).  


اليمن في رؤية غربية

 يتيح لنا هذا العمل، الذي جهد في ترجمته الدكتور عبدالوهاب المقالح، أن نعاين ما طرأ من تبدلات في الصورة التي يشكلها وعي الغربي لنا، ومدى ترسب القناعات السابقة التي كوّنتها كتابات الجيل الأول من المستشرقين أو القراءات المبكرة لثقافتنا وأدبنا، والكتابات التي تمثلت أمكنتنا وشخصياتنا وثقافتنا.

 قد يصلح عنوان «صيد السلمون في اليمن» لدراسة في الثروة السمكية، أو الصيد ومشكلاته؛ لكنه عنوان لرواية صدرت ترجمتها العربية بصنعاء مؤخراً، يتناول فيها كاتبها البريطاني (بول توردي 1946) أحداثاً تدور بين اليمن وبريطانيا، حيث تتبلور فكرة إنشاء مزارع لسمك السلمون النهري في «وادي العيون» باليمن، حيث لا مياه سوى ما تجود به الأمطار الموسمية، لكن الأهداف السياسية والانتخابية للوزارة البريطانية تجعل الفكرة الغريبة واقعاً.

 المدهش في العمل أنه ليس فقط مناسبة لرؤية صورتنا في سرد الآخر، وتمثله للمكان العربي والإنسان والعلاقات والثقافة، بل لفحص تقنيات السرد الروائي المعاصر، الذي وإن بدا خطه العام تقليدياً وتعاقبياً وصارماً في رسم الشخصيات وتقاطع الحبكات، إلاَّ أنه لا يتردد في الإفادة مما تتيحه ممكنات التقنيات المعاصرة. فالرواية تبدأ بوثائق حكومية ومراسلات خاصة وتفاصيل بريدية عن المشروع المتخيل، ويتضمن بعض الفصول محاضر التحقيق مع منفذيه بعد فشله ومقتل رئيس الوزراء البريطاني والثري اليمني «الشيخ محمد» ممول المشروع، وصفحات من مذكرات «ألفرد جونز»، العالم الذي يتم تبئير العمل من خلاله، وأجزاء من سير ذاتية لبعض الشخصيات. وهذه الطرق المتنوعة التي يظهر العمل بسببها وكأنه وثائقي، رغم تخيله بالكامل، ترينا ما وصل إليه السرد الحديث في تمثيل الوقائع بشتى الوسائل. وتعكس الفصول القصيرة صبر الكاتب، الذي شبهه المترجم الدكتور عبدالوهاب المقالح، في المقدمة، بصبر صيّاد وبراعته كي يصطاد في النهاية عملاً كهذا، يرينا من جهة الصلة الممكنة بين الشرق والغرب، عبر رمزية عيش السمك بعيداً عن منابع الأنهار التي يجري فيها أو يهاجر إليها، ويرينا بخط موازٍ لحكاية المشروع الصراع بين الواجب والعاطفة، من خلال أزمة «جونز» وزوجته، المنشغلين بتفاصيل وظيفتيهما حتى تهتز علاقتهما وتضعف وتشرف على الانقطاع.

 وإذا كانت الرواية، الصادرة ببريطانيا قبل عام فقط، قد حظيت بطبعات لاحقة وترجمات للغات عدة؛ فإن موضوعها العربي هو أبرز عوامل جذب القراء واهتمام الناشرين والمترجمين. لكنها فرصة لمراجعة الصورة النمطية عن الشخصية العربية في منظور الكتاب الجدد الذين لم يكتفوا باجترار الأفكار التقليدية عن العرب وأمكنتهم وثقافتهم.

 لكنها أيضاً لا تخفي الشعور المتزايد بالفجوة بيننا، ف في نهاية الرواية، وبعد جهد شاق لنقل السلمون إلى اليمن، تعصف الأمواج بالشيخ اليمني ورئيس الوزراء البريطاني ليضيعا غرقاً في مجرى النهر، وكأن الطبيعة ترفض الترويض والاندماج، فضلاً على خط ضعيف -لم تشبعه الرواية- يرينا ما يفكر به «القاعدة» لتصفية الشيخ، بطريقته الدموية المعهودة. ومن جهة أخرى تنشغل بتصوير مصير نقيب بريطاني يختفي أثناء خدمته في جيش الاحتلال في العراق، فتحبط خطيبته المسهمة في تنفيذ المشروع وتنسحب؛ دلالة أخرى على أن لقاءنا نحن والغرب ما زال صعباً إن لم يكن مستحيلاً، كفكرة صيد السلمون في اليمن.

 (صيد السلمون في اليمن- رواية، بول توردي، ترجمة: الدكتور عبدالوهاب المقالح، مراجعة: توم ماكنتوش سميث، وزارة الثقافة، صنعاء، 2008).


  قديماً مثل ذكرى في الريح

 ما يصدر في السنوات الأخيرة من كتابات نسوية في الشعر والسرد يؤكد توفر الوعي النوعي المطلوب لإنجاز المهمة الفنية المتصلة بالكتابة. فيما تتعمق من جهة أخرى جماليات خاصة تتجاوز النظرة التقليدية لتلك الكتابة على أنها نتاج أنثوي جدير بالرعاية الأبوية من الذكور صانعي الخطاب المتداول والمدافعين عن جدواه واستمراره.

 لكن ديوان الشاعرة العراقية والأكاديمية سهام جبار، التي تنتمي إلى جيل الثمانينيات الشعري، يؤكد ويدعم اعتقادنا بما وصلت إليه الكاتبة والشاعرة من وعي بذاتها كنوع ثقافي ضمن مجتمعاتنا التي، وإن عانى رجالها من كثير من الإكراهات والحجز والعنف، تظل المرأة فيها تعاني بدرجة قصوى من ذلك كله أيضاً، ولكن بمضاعفة الموانع والحواجز.

 يغلب على الديوان بوح متقطع تجسده الجمل القصيرة والتراكيب المقطوعة عن نهاياتها في القصائد، وتلك التساؤلات التي تجسدها أبنية الاستفهام والتعجب الكثيرة في الديوان، الذي تؤطّره الحالة العراقية، التي اكتوت الشاعرة بنيرانها الكثيرة: الاحتلال والعنف والهجرة...

 انتقلت سهام مؤخراً للعيش في السويد، بعد إصابتها بطلق ناري طائش، في طريق عودتها إلى المنزل ببغداد، مدينتها التي ولدت فيها ونشأت وتعلمت وعملت وكتبت شعرها ونشرته. بغداد الآن نقيض وقعها العاطفي ورنين اسمها التاريخي:

 هنا بغداد

 إذ الحب أشد إماتة

 والموت أشد حباً

 هنا دويّ

 ... وبغداد رماد.

 وشأن العراقيات والعراقيين المتحسرين على وطن مضيّع، تستنجد سهام بماضِيَين: شخصي يتحدر من جنوبٍ سكنها وتمثّل في أهوار تحمل عبق التاريخ والطفولة، وعامّ ينطوي على ما شهدت بلاد الرافدين من حضارات. ولكن الذي ظل الآن يدبّر محواً لهذين الماضيين معاً:

 طوفان قبور

 يمحو آثار سومريتي.

  أما الطلقة التي أصابتها فهي إحدى عطايا الدم المغدقة على البشر، التي تستجيب لها، فتشير في هامش قصيدتها "أبدٌ مصغٍ" إلى أن القصيدة "رد على الإطلاقة الطائشة التي أصابتها!" فجعلتها تتخيل الميتة الأسطورية كما وردت في الذاكرة البابلية، حيث الموتى يهبطون إلى ظلام العالم السفلي:

 في بلاد العالم السفلي

 هبطتُ

  كنتُ خطىً آيبةً

 وكانت الأيام غائصة ببيتي.

 وفي احتمالات الموت بعد الطلقة تتخير الشاعرة ما عرضته مسرحية "هاملت" عن الكينونة، بتحوير واضح الدلالة:

 أن تموت

 أو لا تموت

 تلك هي المسألة.

 وتصبح هذه التعديلات إعلاناً عن نهاية النص بالإصرار على الحياة، بالقول:

 وأعيش... أعيش

 أعيش

 وتلك هي المسألة.

 كما تستعين الشاعرة بثنائيات حداثية تلائم منهج النثر في القصيدة:

الألفة والغرابة

اللتان تدفناني

واليقظة والحلم

اللذان يلامسان ينابيعي

الاتساع والضيق

اللذان أهرب بينهما

القول الخالص والتردد العميق

الاستغناء والإلحاف المطلوب.

ومن تعارضات تلك الثنائيات ينبثق شعر صافٍ تلونه النسوية كوعي بالذات بالخصوصية التي تنبئنا عن جراح إضافية لما حلّ بالوطن. فالشاعرة تتأمل دلالة تأنيث الإصبع الذي لا يصلح صديقاً بعد ذلك. وتداعياتها في النصوص ممزوجة بصوفية متخفية تفصح عنها مخاطبات ومناجيات تعرضها بجلاء قصيدة البداية، "على بابك"، التي ذكرتني بقول السياب مستغيثاً في أيام مرضه الأخيرة:

منطرحاً أمام بابك الكبير

أصرخ في الرمضاء... أستجير...

ولكننا يمكن أن نرد تلك الاستغاثات أمام باب الله، غير المذكور في النص، أو المضاف إليه، لروح شعبية ترسبت في أعماق الشاعرة، حيث الأبواب تفضي لمزارات وبيوت يمارس فيها الدعاء، فتشاركها مجموعة من:

العجائز والمحرومات وقلبي

المعطَّلات كيد الصبر بك وقلبي

الناذرات الموفيات والحانثات

السائرات حافيات لاطمات

المنكسرات بالزوايا

الخائفات الباكيات

وقلبي وقلبي وقلبي.

تلك الكِسَر المهربة من التقاليد الشعبية وعفويتها نجدها أيضاً في مواقع أخرى من النصوص التي تقترض من الأسطورة والرمز والحكايات ما يدعمها ويقويها، كالمرأة في القارورة والخروج منها (إحالة إلى "ألف ليلة وليلة")، واستخدام رمز الطوفان في قصة خلق مقترحة ومتخيلة بصور شعرية مؤثرة.

 (قديماً مثل هيباشيا، شعر، سهام جبار، الحضارة للنشر، القاهرة 2008).  


 مشاكسات موزونة وآلام مقفاة

ديوان الشاعر إبراهيم الجرادي، الأخير، يؤشر إلى ما كان قد وُسم به شعره وحياته في الشعر من ملامح المشاكسة والشغب المطلوبين لشاعر متمرد، لم يصل تمرده إلى أسوار الوزن والقافية، فتشبث بهما كمدعمات إيقاعية، موسيقية في الأصح، لتحمل القصيدة عبء تلك الروح الهائمة في أفق الحرية، المخالفة للسائد، والمجافية للجماعة كتكتل إنساني تتصاغر إزاءه إنسانية الفرد.

وستعطي الموسيقى، التي يصر الجرادي على تصاديها وإيقاعها وتطريبها، مسحة من المساخرة، لا المفارقة فحسب؛ فيبدو الشاعر فكِهاً لا يتحرج من شتيمة هنا للنقاد، وهناك للشعراء. بل العنوان ذاته، المُقترض من السيد المسيح، ليس إلا تكريساً لروح الهجاء الغالبة في الديوان، فالأحياء سُلبت منهم الحياة وصاروا موتى متروكين لدفن موتاهم الحقيقيين. ولكن المشاكسة ذات أبعاد متعددة لدى الجرادي:

 مضمونية: تتجسد في الهجاء والرفض. ففي قصيدة "تباً لي! تباً لسواي!"، التي يشي عنوانها بخط مضمونها القائم على اللعنات!!، تتكرر كلمة "تباً" سبعاً وأربعين مرة! موضوعة على الحاشية اليمنى ليراها القارئ رأس جملة أو لازمة. ويتسع مدى اللعن من الأرض المضافة إلى ياء المتكلم والأهل وسلالة الشعراء والمرأة، لينتهي بالقات الذي "مرغ الشهوة بالوحل"، والمكان الذي لم يعطِ ماء ولا زاداً، والشعر واللغويين، وماء الشام وورده، والخيل والحنين. ولا يسلم النقاد في القصيدة صفر أيضاً من اللعنة، ولا الشعراء. والخلاصة الهجائية ربما يتضمنها هذا البيت المنطوي على اغتراب عن الجماعة حدّ الظن السيئ:

كلما أسلمتُ أسراري لأهلي ساء ظني

غادروني.

 لغوية: في انتقاء مفردات وتراكيب صادمة، مثل: "وطن الكلب"، و"ناقد فاسد"، وشاعر"كنّاس يجمع ثروته من الزبل!!".

 صورية: تتمحور في بلاغة التضاد مع الخارج وأشيائه:

إن الكتابة ذئب أليف

وإن السلام مقص لتفصيل أعدائنا

... وإن مدائننا تذوي كما العاقول

في مستنقع الأعداء.

دلالية: تنجز معاني وتوسعات دلالية وإشارات رافضة متقاطعة مع الخارج:

لماذا يخون القصيدة شاعرُها؟

... تمر القصيدة كالعربات محملة بالجثث

...تباً لأهليك الذين توارثوا موتين!

 إيقاعية: تقوم على مفارقة الالتزام بالوزنية حد مناداة الدوافع الشفاهية، كالتكرار المتسلسل في هيئة نسقية: بداية الفقرات أو آخرها، والموسيقى الداخلية، والقافية، وبين التحديث المعنوي والمضموني، وشعارات الرفض والخروج والتمرد والانتماء إلى المستقبل. ويتعزز الخروج والشغب والمشاكسة بتفاوت أطوال الأبيات واستخدام أشكال متعددة للتكرار، خاصة، كميزة شفاهية جديرة بالدراسة لإظهار الطابع الصوتي لقصائد الجرادي والتوجه ضمنا لمتلقٍّ سمعي.

تباً لأسراهم

ومسراهم ومن في الليل أسراهم وأعطاهم!

...وأنا أمسي إلى رمسي.

 خطِّية: تقترح أشكالاً تنفّر من البيتيّة والأشطار المتسلسلة خطّياً، كما في هيئة الشعر الحر الشكلية، وتتجاوز إلى تقنيات مبتدعة في قصيدة النثر خاصة، كتكرار "تباً" لازمة سابقة لأبيات القصيدة؛ موضوعة على يمين السطر، بحيث تبدو الـ"تبّات!!" تحت بعضها تباعاً بهيئة بصرية منتظمة. أمّا ما يتعلق بها، أي ما يقع عليه اللعن، فيأتي بعد بياض أفقي فاصل. ويستخدم التقنية نفسها في قصيدة أخرى: "ظل اليقين"، المهداة إلى عبدالعزيز المقالح شاعراً وصديقاً. فيكرر في أول سطر من أسطرها عبارة "كان عليَّ"، ثم تكتمل الجمل بما يأتي، متباعداً عن المتعلق بالتكملة المعنوية والنحوية.

 كان عليّ                    أن أسد الماء بظله

                                 أن أكتب الأسماء ثانية

حسنى

وأن أقيل التيه

 من

سريرتي...

  كان عليّ            أن أسير فوق النار

مضطرباً

وحافياً

وواقفاً في سرها.

 وطباقية: تستثمر الثنائيات المتقابلة واستحضارها بمجاورة تسمح برؤيتها متنافرة متعارضة، كما يجسد ذلك إهداء الديوان (إلى اليأس، آخر قلاع الأمل).

إن ما يقدمه الجرادي للقارئ في النهاية شعر يستفزه، فيشركه في لعبة المعنى، ويورطه في توسيع الدلالة، فلا يبقى شيء خارج إمكان المشاكسة، حتى الذات الفردية والجماعية والشعر نفسه. وتلك فضيلة لا توفرها قصائد زمننا الراهن،

 لا سيما بالكيفية الفنية المتكئة على الوسائل الشعرية المتنوعة بوعي حر، لا يقيده قيد حتى لو كان بإغراء من وزن وقافية وصوت.

 

 (دع الموتى يدفنون موتاهم، شعر، إبراهيم الجرادي، دار نينوى، دمشق، 2008).


 ويظل السرد أنثى!

المختارات من المظاهر النقدية التي لم تلقَ اهتماماً كافياً في التأليف العربي المعاصر، على عكس ما كانت عليه في التراث العربي، بتنوعها وتخصصها وتيسيرها المواد المختارة بسهولة ودقة وتنوع. وكذلك ما دأب عليه الغربيون من عمل مستمر لمختارات تناسب الأعمار والمستويات العلمية والثقافية، وتفي بحاجة الدراسة والتخصص. من هنا تأتي أهمية كتاب "المختارات"، الذي أصدرته القاصة اليمنية ريّا أحمد، مكرساً لمختارات من القصة اليمنية النسوية المعاصرة. فهو يعطي منظراً بانورامياً للقارئ عن حاضر القصة النسوية القصيرة، بأجيالها واتجاهاتها ومناخاتها المتعددة، عبر ثلاثين أنموذجاً من النصوص القصصية النسوية في اليمن. وتنضاف أهمية أخرى للكتاب، تكمن في الشهادات التي كتبتْها خصيصاً -بتكليف من المحررة- ثماني عشرة قاصة. وختمت ريّا كتابها بملحقين: الأول للتعريف بالقاصات وتقديم سير موجزة لهن، والثاني مسرد بأسماء كاتبات القصة القصيرة في اليمن ممن احتوى الكتاب نماذج لهن أو لم يحتوِ.

في المقدمة تشير ريّا أحمد، إلى مختارات نهلة عبدالله، التي صدرت عام 1992، والتي بات من المؤكد أنها بحاجة إلى استدراك وتجديد وإضافات، فمادام السرد مرتبطاً بالأنثى في نشأته -كما جاء في مقدمة المؤلفة لكتابها- فحريٌّ به أن يظل مرتبطاً بها مستقبلاً، لذا فلا يعني الفعل "كان" في العنوان انقضاء زمن السرد النسوي - أو الأنثوي كما اختارت المؤلفة، خلافاً لما استقر عليه المصطلح؛ لما في الأنثوية من أبوة واستعارة لجزء من خطاب الرجل في تصنيف الجنس ذكراً وأنثى، وليس بالاحتكام إلى النوع: النساء، والرجال.

 سيدهش القارئ ويتوقف، كما توقف الدكتور عبدالعزيز المقالح في تقديم الكتاب، عند "وجود جيل من النساء المبدعات المخلصات لتأسيس كيان إبداعي للسرد". وهن في النماذج المختارة يعكسن الوعي بالنوع النسوي أولاً، وبمتطلبات السرد القصصي الحديث ثانياً. ولعل النماذج رغم قيمتها ممكن توفرها في المنشورات التي أشارت إليها المؤلفة، ككتاب الدكتورة انطلاق المتوكل، أو في كتب أخرى ضمت مختارات نسوية، مثل "ذاكرة للمستقبل" و"انفجار الصمت" ومختارات نادي القصة "أفق جديد لعالم أجد"، والمواقع المتخصصة بالقصة على شبكة الإنترنت. لكن الأهم هو ما قُدّم من شهادات دالة على ما اعترض سبيل الكاتبات من موانع اجتماعية غالبا وأسرية أو ثقافية. وكذلك تجلو الشهادات نظرة الكاتبات إلى فن القصة ومستقبله ومصادر ثقافتهن ورؤاهن الأسلوبية ومؤثراتها، وكذلك بداياتهن في الكتابة والنشر؛ مما سيتيح قراءة لاحقة لوعيهن وتنظيرهن، ومناقشة كثير من الأفكار التي أوردتها الكاتبات أو أغفلنها وتجنبن الحديث عنها، لا سيما من الناحية النظرية، كصلة القصة بالفنون السردية المجاورة، كالرواية والسيرة الذاتية، أو بالفنون الأدبية الأخرى كالشعر.

 وككل عمل أنطولوجي، فـ"مختارات" ريّا أحمد، تعاني من نقصٍ أشارت هي نفسها إليه يتعلق بالنماذج والشهادات، حيث غابت أسماء أو تأخرت مساهمة أخريات، وكان بإمكان الكاتبة تلافي ذلك بأن تختار بنفسها نماذج لمن لم يستجبن في الوقت المحدد؛ لذا غابت بعض الأسماء عن هذا الكتاب، الذي حسبه أنه يضيف للمكتبة القصصية ولأدب المرأة وثيقة هامة جديدة وزوايا نظر حديثة ومتجددة.

  (يوم كان السرد أنثى، ريّا أحمد، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 2008).