العدد الخامس - صيف 2008م

   
 

متابعات
 

سُمارة..
تنهيدة الأرض، وشهقة السماء (لقراءة المقال بصيغة أكروبات)

                                                                                  

                                                                                    عاطف عواد
                                                                                         قاص وصحفي من مصر مقيم في اليمن.

 

مثل جرم سماوي انفلت من أفلاك الجاذبية، كانت السيارة «البيجو»، صعوداً وهبوطاً، تكابد مكابدةَ مع جبل «سُمارة» الواقف رائعاً ومخيفاً على الطريق الواصل من صنعاء إلى مدينة إب ثم تعز. كنا الثلاثة في طريقنا إلى مدينة إب لتوزيعنا على مدارسها أو مدارس نواحيها.

وكنا الثلاثة، محمد عبدالجواد، العشماوي، وأنا، قد تم توزيعنا من وزارة التربية والتعليم بصنعاء على محافظة من محافظات أواسط اليمن، عرفتُ من اللحظات الأولى أنها تُسمى «اللواء الأخضر» لكثرة الأمطار بها. كنا الثلاثة من محافظة الشرقية، من مدينة فاقوس وضواحيها تحديداً. وكنت ومحمد نعمل بمدرسة واحدة قبل أن يقنعني بالسفر للعمل في اليمن معه، وكان ذلك هو العام الثاني له متعاقداً فيها.

كنت الوحيد بين الركاب الثمانية الذي صارت الدهشة تصفعه من كل ناحية، وبلا رحمة ولا هوادة؛ إذ أنه ومنذ أفلتت السيارة من العاصمة صنعاء تبدلت الدهشة خوفاً، والخوف ترويعاً. فالتضاريس اليمنية ليست على ما هي عليه بوادي النيل أبداً. فالدلتا بأرض الكنانة شرقاً وغرباً وبوسطها لا تعرف الانبعاج ولا التقعر ولا تلك البانوراما الرهيبة بأي حال من الأحوال.

كما أن دوران السائق، اليمني، مع تسارعه المخيف، حول المرتفعات والمنخفضات والقمم بشكل مفاجئ ومباغت، صار يتلاعب بقلبي ونفسي بسخرية واستهانة، كدُمْية، أو كقطعة علكة تمتط خوفاً وترتد شهقة، ألجمها لجماً وكتماً كي لا أفتضح بين ركاب السيارة الثمانية: زميليّ واليمانين، وقد اعتادوا جميعاً على ما لم أكن عليه بينهم، وبما أعانيه من شهقات وتنهيدات صارت تتخاطف قلبي وأنفاسي خطفاً وتخاطفاً، ولم أعد أملك بي طاقة ولا احتمالاً عندما بوغتُّ بهذا الجبل، جبل سُمارة!.

بقيت كمن ألقي به على حافة هاوية عميقة مظلمة الزرقة، ومن بينها، مع كل دوران، وعمق سحيق، يفاجئني عملاق من مردة الجن وعفاريتها المنفلتة من قمقمها المحبوسة فيه منذ أيام سليمان، ليخطفني، ليجرجرني، ليهوي بي، لأتساقط من علٍ إلى وادي الجبل وأغواره السحيقة المظلمة، ولتتخاطفني الشياطين والظلمات، وعندئذٍ فلا عودة لي ثانية لوادي الكنانة، ولا رؤية أو رجوع إلى أطفالي والزوجة والأهل ثانية أبداً.

عندئذ، لم أتبين من الهمهمة التي أحاطتني غير وقوف السيارة بجانب من الطريق، وجمع الركاب من حولي ترش مياهاً عليَّ، والبعض منهم يستجيب لطلب سائق «البيجو»: دعوه متمدداً واطرحوا بجوفه بعض المشروبات والعصائر... و... ووجدت بعد ذلك مدينة (إب) رائعة ومدهشة... وإلى أن تم توزيعنا نحن الثلاثة إلى ناحية «بعدان» مدرسين فيها.