العدد السابع - ربيع 2009م

   
 

نصوص
 

قصيدتان (لقراءة المقال بصيغة أكروبات)

باسم فرات
شاعر من العراق

(1) متحف السلام في هيروشيما

 حينَ تَدخلُ عليكَ أنْ تَحذرَ الارتطام بالأنينِ

أو أن تُحرّكَ دَمعةَ طفلةٍ بارتِباكِكَ

إضغطْ على الزرّ وأنصتْ لِحِكاياتٍ صامتة ٍ

حكايات ٍ توغلتْ القسوةُ فيها والألَمُ

خلفَ الزجاجِ ثمةَ حِدادٌ زادَهُ الزمنُ نضارة ً

 ثَمّةَ بَقايا رَمادِ الضحايا، أشباهُ ساعاتٍ تُشيرُ إلى الثامِنَةِ والربعِ صَباحاً

دمى عليها آثارُ أصابعَ احترقتْ

قلائدُ صَدِئة، ما بقيَ من طفولةٍ ابتلعَتها الجحيمُ

في الأقفاصِ الزجاجيةِ قافلةُ أحلامٍ تَجمّدتْ

وكثيرٌ من حماقاتٍ وخيالاتِ مرضى أثقلتْ أكتافَهُمْ النياشينُ

على الحافاتِ نَسيَ الوقتُ نهاراتِهِ

وهو ينصتُ للأراجيحِ التي تكدّسَتْ في الغيومِ

رَوائحُ المَراراتِ تَخنقُ المرورَ عِبرَ الطوابق ِ

هَواجِسُكَ سَوفَ تَستبيحُ كلَّ شَيءٍ

إنها المِحنة ُ تَدخُلُ أوكارَها البرية َ

الضبابُ يُجفّفُ الساحِلَ من البَهجةِ

والصخرةُ التي طالما أثقلتْ كاهلَ سيزيفَ هاهُنا تَجِدُها وقدْ تلاشتْ

ضَجيجُ المدينة ِمُختزلاً بِحَشْرَجَةٍ مُعلّبةٍ على هيئةِ بضْع ِكَلِمات

الفردوسُ وهمٌ نطلقُهُ لتنويمِ الفجيعةِ

وآبُ لم يكنْ لَهّاباً فقطْ، إنّها السماءُ فَتَحَتْ أفواه َجَحيمِها

فَراغاتٌ تَنْمو كَالعَدوى، والكَراهية ُ فِطْرٌ نَبَتَ في كلِّ مَكانٍ،

وَبالظلامِ كلُّ شَيْءٍ اكتَسى

لكنْ حَياةُ الراهبِ مَلساءُ تغوي حِكْمَتُهُ قاربينِ بالجنوحِ إلى السرمَدية ِ

لا سامورايَ هُنا..

وَكُلُّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلى الندَم.

 

هيروشيما، كانون الأول 2007

 

  (2) المستقبلُ وهوَ يقفلُ راجعاً

 ياماتو قبرٌ يتنفسُ الهواءَ

في عَرضِ البحرِ لبعضِ الوقتِ

الموتى الذينَ في داخلِهِ

سَطّروا ما أمكنَ من ذكرياتٍ ونَدَمٍ

كانَ ضيق الوقتِ

عُصفورةٌ بَنَتْ عُشَّها فوقَ الرؤوسِ

غِربانٌ تتبعُ ياماتو

إنها الغريزةُ، يا لَها من دليلٍ قاسٍ

في مُخيلةِ الجنودِ، الماضي شريطٌ قَفَزَ عالياً:

رسائلُ الحبيباتِ، دُموعُ الأمهاتِ

وقد أنهَكَها الانتظارُ،

الأمنياتُ المكتوبةُ على وَرقٍ أبيضَ معقودة ً

على شَبابيكَ مَعابدَ الشنتو.

الجنودُ يَتَحَسّسونَ أشياءَهُم،

طعم الشايِ الأخضرَ وقد تَكدّسَ في الشفاهِ،

قِرَبَ الساكَ في لياليهِم وهي تَتَآكلُ

إنهم يَشطبونَ أحلامَهم

ياماتو ينزلقُ بعيداً إلى قَدَرٍ

يَحرسُ عَماهُ

وَتَطردُ الريحُ عنهُ الهواءَ

في ميناءِ كورَهْ

قَفَلَ المُستقبلُ راجعاً

فامتلأتْ هذه القصيدةُ بالعويلْ.

 

 

هوامش:

ياموتا: أكبر سفينة حربية صنعها اليابانيون، في الحرب العالمية الثانية، وحين الانتهاء منها اكتشفوا أنهم بحاجة إلى طائرات، فقاموا بإرسالها إلى جزيرة بعيدة كسفينة شحن، وكان الوقود فيها يكفي للذهاب فقط، وفي الطريق قصفتها الطائرات الامريكية فحولتها إلى قبر لأكثر من مائتي ياباني.

الشنتو: الديانة القومية لليابانيين وتحوي مئات الآلاف من الآلهة.

الشاي الأخضر: يحتسيه اليابانيون بكثرة، ساخناً أو مثلجاً.

الساكَ: هو الخمر الشعبي في اليابان، ويكتب أحياناً "ساكَه".

كورَهْ: المدينة التي تم فيها صناعة السفينة ياماتو، وهي قرب هيروشيما.