العدد التاسع - شتاء 2009م

   
 

نصوص
 

لم أجدْ غير نفسي (لقراءة المقال بصيغة أكروبات)

جودت فخر الدين
شاعر وأكاديمي من لبنان

(1)

لم أجدْ غير نفسي

فكيف تنكّرْتُ لي؟!           

(2)

... وكنتُ أرى كلَّ شيءٍ قصيراً،

فرافقني الحوْرُ،

رافقني كأخٍ لي طويلٍ،

وسرْنا معاً في الصباح الذي خانني،

ثم سرْنا معاً في المساء الذي لم أخُنْهُ،

وثالثَنا كان ثوبُ الضباب الذي لفَّنا،

وتغلغل ما بيننا...

كان يفهمني الحوْرُ منذ البدايةِ،

يفهمني، ويرى حيْرتي.

كان أطولَ مني إذا ما كبوْتُ،

وأقصرَ مني قليلاً إذا ما زهوْتُ،

ولكنه كان مثلي نحيلاً وهشّاً،

ويحفرُ فيه الأذى.

ربما أنا ظلٌّ له،

ربما هو ظلّي.

نهيمُ معاً،

ويساوره كلُّ ظنٍّ يساورني.

إنه الحوْرُ،

رافقني،

وتجوَّل بي في حدائق أحلامنا الزائلةْ.

وشمخْنا شموخاً نحيفاً، ونحن نراقب في وجَلٍ

شجرَ العائلةْ.

إنه الحوْرُ،

ضوءُ الشموخ ِ، وسرُّ الألَقْ،

والكلامُ البهيجُ المعاني... إذا ما انطلَقْ.

إنه الحوْرُ،

سرُّ الصداقة ما بيننا أننا نتشابَهُ في خجلٍ،

ونعانق وحشتنا في الأعالي،

ويحفرُ فينا الأذى.

(3)

... وكنتُ أرى كلَّ شيءٍ صغيراً

فهامَ بيَ الليلُ،

أفسَحَ لي، كي يراني.

وأجلسني نحو نافذةٍ من نوافذه، كي أرى خلفهُ.

كان قد ضمّني في الطفولةِ،

أغلق عينيَّ دون الجهاتِ التي تستغيثُ،

وقدّم لي ما تفتّق في وحشتي من لآلئه...

 بعد هذا، تقدّمني آخذاً بيدي.

جال بي...

فإذا الأرضُ خوفُ الغزالة، مهدُ السراب، صدى الأغنيات.

تقدّمني آخذاً بيدي،

فإذا الوهمُ أقربُ من حفرةٍ في الطريق،

وأبعدُ من ومضةٍ في السماء.

تقدّمني، وطوى الأرض بي.

وهنالك فيحضرموتَ تمهَّلَ،

أرخى سُدولاً جديداً لهُ،

وتمطّى قليلاً ليأخذَ أنفاسهُ،

فتراءت ليَ العتَباتُ السماويةُ،

احتضنتْ وادياً ما تزال مياهُ النبوّة مكنونةً في فيافيهِ،

والشجراتُ القصيرةُ ما فتئتْ تستظلُّ بحبٍّ طريٍّ.

هي السَّمُراتُ التي نبتتْ في ثرى الشِّعرِ،

ألفيْتُها هائماتٍ على سُبُلٍ خطّها الدهرُ،

سِرْتُ قليلاً هنالك وحدي.

أراد ليَ الليلُ أنْ أتلمّسَ دربي،

فأطلقني في السماء التي احتضنتْحضرموتَ،

ولكنه عندما خفَّ ثانيةً للرحيلِ،

ترأّفَ بي،

ضمّني -مثلما في الطفولةِ-

مستجمعاً عزمَهُ،

آخذاً بيدي،

... وتقدّمني من جديدٍ،

وسِرْتُ يلامسُني ثوبُهُ...

فإذا الأرضُ خوفُ الغزالةِ،

مهْدُ السرابِ،

صدى الأغنياتْ.

(4)

... وكنتُ أرى كلَّ شيءٍ قليلاً

فقال ليَ الشعرُ: هذا طريقي،

عليك إذا سرتَ أن تتلمّسه دائماً،

أنْ تضيِّعه دائماً،

أنْ تراهُ وألاَّ تراهُ،

عليك -إذاً- أنْ تهيمَ معي.

... وانطلقْنا معاً...

وكان السميرَ، وكان الضياءَ،

وكان النداءَ القريبَ،

وكان النداءَ البعيدَ،

وكان الهوى، والردى، والنُشورَ،

وكان السماءَ العصيةَ حيناً،

وكان السماءَ السخيةَ حيناً،

وكان الجموحَ وكان السكينةَ،

كان الجليَّ وكان الخفيَّ،

وكان الجبالَ وكان السهولَ،

وكان هنالك في كلِّ شيءٍ،

وكان الهباءَ،

وكان الزمانَ الذي يتكوَّنُ بين الأصابعِ،

كان المكانَ الذي يتبدّدُ مثلَ الأثيرِ،

وكان الظلالَ وكان الشموسَ،

وكان سبيلي إليّ،

يُسدِّدُني كلّما ضلّ بي وهَنٌ أو قنوطٌ،

وكنتُ أرى فيه نفسي التي تتجدَّدُ،

كنتُ أرى فيه نفسي التي تتردَّدُ،

كان سبيلي إليّ،

وكنتُ سبيلي إليهِ،

ومازلتُ أُلقي بنفسي لديْه، لأُدركَ نفسي.

... وكنتُ أرى فيه نفسي تهيمُ، وتهْفو، وتشْتدُّ،

كنتُ أراني فتيّاً وطفلاً وشيْخاً...

وكنتُ بهِ، ولديْهِ، أُحسُّ بأنّ الحياةَ تَزيدُ،

فتكثُرُ يوماً فيوماً.

بهِ وحدَهُ، ولديْهِ، وفيهِ، أرى الوقتَ،

ألمسُهُ، وأُداعبُهُ قائلاً: ثِقْ بنفسِكَ،

لا تبتئسْ من تماديكَ من دون جدوى.

تذكَّرْ قليلاً إذا شئْتَ،

وانعَمْ بأنّكَ تنسى إذا شئْتَ،

لا تنقبضْ ضجَراً أيها الوقتُ، أو وحْشةً، أو خواءً...

فحسْبُكَ أنكَ ترضى بنفسِكَ حين يداعبُكَ الشعرْ.

(5)

لم أجِدْ غيرَ نفسي...

 وها أنا أمضي...

 أرى كلَّ شيءٍ قصيراً

 أرى كلَّ شيءٍ صغيراً

 أرى كلَّ شيءٍ قليلاً...

 أسيرُ وأسألُ نفسي: تُرى هل تنكَّرْتُ لي؟!